برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

أبطال افتراضيون!

حين تنتهي المعركة ويختفي غبارها من المكان، يتوافد الجبناء من كل حدب وصوب على ساحتها التي انفض عنها المتقاتلون ما بين منتصرين ومهزومين، وآخرين صرعى ومجروحين بحسب مجريات الأحداث التي ستبقى في ذاكرة التاريخ وهي كما عهدناها ذاكرة لا تشيخ مهما تقدمت بها السنين.

الأبطال في واقعنا المعاصر ليسوا فرسانًا على أرض الواقع يمتطون خيولهم ويقاتلون بسيوفهم ورماحهم في معارك حقيقية تحت شعار «الحياة أو الموت»، بل هم من فئة الأبطال الافتراضيين الذين يمتطون هواتفهم المحمولة ويقاتلون في ساحات التواصل الاجتماعي بـ«التغريدات» و«الهشتاقات» في عوالهم الافتراضية بحثًا عن الشهرة السهلة التي تفتح لهم أوسع الأبواب ليلجوا إلى عالم الدعاية والإعلان.

أكثر سلبية تستفزني من سلبيات هذه المرحلة التي نعيشها بانفتاح غير مسبوق على العالم، هي كثرة أعداد أدعياء التنوير عبر منصات الإعلام الجديد، فهم لا يكلون عن الحديث عن بطولاتهم الوهمية في زمن كان فيه الترفيه من المحظورات والمحرمات، بل لا يتحرجون من القول بأنهم ناضلوا في سبيل تحقيق توازن اجتماعي يأنسن أفراد المجتمع ويخفف من حدة التشدد المهيمنة على الأنشطة والفعاليات المحدودة قبل الانفتاح، وبأنهم دفعوا ثمن نضالهم أضعافًا مضاعفة في زمن كان فيه السكوت عن نقد التشدد والتزمت في مظاهر الحياة الاجتماعية سياسة الغالبية العظمى من المثقفين والكتاب.

الحقيقة هي أننا لو تأملنا إنجازات هؤلاء الأبطال الحداثيين لأدركنا بأنهم كانوا يخوضون معاركهم الهلامية مع الأشباح العابرة في أذهانهم حيث لا يراها أحدٌ سواهم، ولتيقنا بأنهم كانوا يصدون رياح التزمت العاتية بمقالاتهم ومؤلفاتهم الهزيلة في منتديات الإنترنت الهابطة وفي مجالس العوام التي انحصرت اهتماماتها في جانبين من جوانب الترفيه إلى حد الإفراط الذي تجاوز حدود المعقول وهما «البلوت وكرة القدم» وما عدا ذلك سيكون ترفًا اجتماعيًا لا يقدم عليه سوى أبناء الطبقات العليا في مجتمع يتقاسم سواده الأعظم تفاصيل الحياة الاجتماعية بالوراثة، أبًا عن جد.

الحديث عن الأبطال الافتراضيين يصيبنا بالاشمئزاز من قدرة هذا النوع من البشر على التشدق بكل بجاحة ليحاول إيهام السذج بأنه البطل المغوار الذي تحدى القيود والمحاذير الاجتماعية، حين كان التشدد في أوج قوته وجبروته مهيمنًا على وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، بل تصل الجرأة ببعضهم أن يخترع حوادث ومواقف لا وجود لها إلا في ذهنه السقيم، ليصور نفسه للآخرين بالضحية التي طالها الأذى إلى درجة إهدار دمه بسبب مقالة رأي منشورة في منتدى أغلب رواده من المراهقين والتافهين.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق