برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

اختلاف معايير

حدثتني إحدى قريباتي عن تجربتها الأولى في الاختلاط عن قرب بالمجتمع الأمريكي، وذلك عند انتقالها للعيش معهم في أمريكا، فحدث لها موقف لا يمكن أن تنساه ما عاشت ويحمل الكثير من المعاني.

كان يومها الأول عندما قررت الذهاب للتسوق في أحد المجمعات التجارية، وقابلها البائع بطريقة استفزازية، فكان عنصريًا في حديثه، وتلك الشتائم التي كان يتفوه بها، وتضيف بأن تلك الشتائم جعلتها لا تحتمل الموقف، فقد لامس شرفها بألفاظه البذيئة وكذلك بالإشارات التي كان يرسمها بيده، فخرجت مهرولة تبحث عن أقرب حارس أمن تشتكي هذا الرجل الذي خرج عن الأدب وأصبح يمارس قلة الأدب، فكانت المفاجأة العظمي بأن يرفض العسكري وحارس الأمن مساعدتها كون تصرفات ذلك البائع كانت لفظية، وإشاراته اليدوية لم تلامس جسدها، لذا اعتذر رجل الأمن بحجة أن هذا البائع لم يعتد عليها بشكل فعلي.

مثل هذا الموقف الذي تحدثت عنه قريبتي وحدث لها أثناء زيارتها الأولى لأمريكا لا يمكن أن يحدث في بلادنا، إذ إن التعدي اللفظي غير مسموح به على المستوى القانوني أو الشرعي، ولا حتى المجتمعي، خصوصًا حينما يصل إلى تناول الشرف وأعراض الناس، بينما قد يكون في مجتمعات أخرى جزءًا من طبيعتهم اليومية التي لا يحاسب عليها القانون، هذا فضلًا عن الذنب في مجتمعاتنا الإسلامية من ناحية شرعية، والذي ربما لن يُمحى من سجل مرتكبه يوم الحساب إلا بعفو المعتدى عليه.

كما أن للإعلام دورًا مهمًا في توجيه القيم وإعادة ترتيبها، وهذا ما يجب أن يمارس بطريقة مدروسة وحذرة لتربية جيل من الناشئة علينا أن نغرس في داخلهم قيم التسامح واحترام الآخر، وحسن اختيار الكلمات والألفاظ التي يجب أن نستخدمها أثناء معاملتنا اليومية، إذ إن بعض الكلمات التي قد يعتبرها البعض مجرد تنفيس عن غضب في مجتمعات ما، هي كلمات قد تؤدي للهلاك في مجتمعات أخرى، والتصرفات التي قد تكون مقبولة في مجتمع ما، قد تكون مجرّمة في مجتمع آخر.

ومع هذه العولمة التي باتت تحاصرنا حتى أصبحت تسكن بين جلدنا ولحمنا، أجد أن الجيل الناشئ يمر بمنعطف خطير جدًا، خاصة مع هذا التضاد الذي يجده بين ما ينام ويصحو عليه في عالم افتراضي مليء بالمسلسلات والأفلام التي تحاكي الخيال وتبتعد عن قيم العقل والأخلاق.

أعتقد أننا بحاجة لزرع الرقيب والوازع الداخلي، وبحاجة لوضع معايير أكثر سلاسة لما هو مقبول وغير مقبول من هذا الجيل، معايير لا تعتمد على ترتيب قيمي ناتج عن العادات والتقاليد، بل معايير تنطلق من كتاب الله فقط.

خاتمة: علموا أبناءكم أن العيب يختلف عن الحرام، فلا تحرموا ما أحله الله، فالعيب هو مقياس مجتمعي قد يختلف من مكان لآخر، وسيُصدم جدًا ابنك لو خلط بينه والحرام، ثم وجد المجتمعات الأخرى تخرقه بسهولة ودون أدنى شعور بالذنب.

علموهم بأن «العيب» يدل على أمر ربما يفعله سوانا بأريحية، فلا وجوب للتمسك بـ«عيبيته» إذا ثبت خطأ ذلك، علموهم أنه اجتهاد بشري، قابل للتغيير أو الاستبدال، أما «الحرام» الذي حرمه الله فهو أزلي وأبدي في كل زمان ومكان.

علموهم مرونة التعايش مع المختلف، وأن الثوابت التي ينبغي عليهم التمسك بها هي الحدود التي وضعها الرب في كتابه بشكل صريح لا يقبل التأويل.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق