برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

مغالطة «رجل القش»

مع كثرة النقاشات والجدالات حول الكثير من الأمور الاجتماعية والشرعية الحالية في السعودية، بدأتُ ألاحظ انتشار ما يُعرف بـ«مغالطة رجل القش» وهي نظرية تقوم على أنه حين يقدم أحد المتجادلين حجة قوية يصعب الرد عليها فإن خصمه يقوم بتغيير حجته إلى حجة ضعيفة أو سيئة، ثم يهاجمها، فيظهر بمظهر المنتصر ويجمع مناصرين له مع أنه لم يرد حقًا على الحجة المطروحة، بل على نسخة مشوهة منها.

لأن منازلة دمية هي أسهل من منازلة شخص حقيقي، فإن هؤلاء الخصوم الضعيفة يقومون بصنع رجل قش كالذي يستخدمه المزارعون في مزارعهم ثم ينتصرون عليه.

جرب أن تقول: إنك تؤيد قوامة الرجل على المرأة وهي مثبتة شرعًا كما أنها ضرورة حياتية كون المرأة بحاجة إلى رجل يسندها، ستجد أن أصحاب الحجة الواهنة سيقومون بتحويل رأيك بقولهم أنت تؤيد ظلم المرأة وتعنيفها من قبل ولي أمرها ومنعها من الدراسة والسفر والزواج، في حين أنك لم تقل ذلك أبدًا لكنهم عملوا على تفسير قولك بأنك صاحب نية سيئة وتريد قهر النساء بينما لم يردّوا على حجتك بأن الأمر مذكور في القرآن، وأن طبيعة المرأة وتكوينها تحتاج لوجود رجل بجانبها يتولى أمورها ويدعمها.

مثال آخر قد يقرب الفكرة إلى الأذهان ويقع كثيرًا في لقاءاتنا العادية، حين تنصح شخصًا ما أن يتوقف عن القيادة بسرعة كونها قد تودي بحياته، فإنه سرعان ما يرد عليك أنك تغار منه ومن سيارته الجديدة ذات السرعة العالية وتحسده عليها. وهنا تجد نفسك مضطرًا إلى نفي تهمة ومقارعة حجة لم تكن تدور في ذهنك أصلًا ولم تنطق بها.

المشكلة الحاصلة مع هذه المغالطة أنه يتم تجييشها لتشمل فئات كاملة في المجتمع تتم مهاجمتهم لذنبٍ لم يفعلوه ولم يؤيدوه، من تلك الحرب المفتعلة على المحجبات ووصفهنّ بـ«عدوات الحياة» و«الدرر» و«المغصوبات» مع أن هناك الكثير من المحجبات اللاتي اخترن الحجاب طواعية واللاتي يعشن الحياة بطولها وعرضها، إن حجة المحجبة هي أن الحجاب فرض إسلامي تفعله تقربًا وطاعة لله، لكن حجتها هذه يتم تشويهها وتحويلها إلى «رجل القش» الذي يتمثل في أنها تكره الحياة وتتمنى لو أن كل نساء العالم يمكثن في المنزل مكبوتات مغصوبات على ما لا يردن.

إن محاربة نظرية «رجل القش» تنطوي على إعادة الحجة الأصلية والطلب من الخصم أن يرد على النقطة الأساسية فيها وألا يفترض أمورًا لم ترد أصلًا فيها.

بشرى الأحمدي

عضو هيئة تدريس جامعة طيبة, متخصصة في طرق تدريس اللغة الإنجليزية, مؤسسة نادي القراءة "٢٣ أبريل" لفتيات المدينة, شاركت في العديد من الندوات في جامعة طيبة والنادي الأدبي, عضو نادي "رواق" الأدبي التابع لجمعية الثقافة والفنون, حاصلة على الرخصة الدولية للعمل التطوعي. كاتبة ومؤلفة صدر لها كتاب عن دار مركز الأدب العربي, نشرت عدة مقالات في عدد من الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق