برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

أكذوبة تجميل الماضي

عندما يتحدث الآباء والأمهات لأبنائهم عن فترة صباهم وشبابهم، فإنهم يصفون لهم فترة تكاد تكون مثالية، يتحدثون عن مجتمع تحكمه الطيبة والمحبة والصدق بشكل يكاد يكون كاملًا، فهل كان هذا المجتمع بهذه الفضيلة شبه المطلقة الموصوفة؟ بالطبع لا.

فهذا المجتمع كان غارقًا في صراعاته الخاصة وبمشاكله وبأنذاله وبجرائمه، بشكل ينافس الحاضر وقد يتفوق عليه إذا أخذنا بعين الاعتبار التركيبة المجتمعية وظروف وحاجات وضوابط كل عصر.

فهل يكذب هؤلاء الآباء والأمهات بشكل متعمد على أبنائهم من خلال هذا الوصف المضلل؟ باعتقادي أيضًا لا، فهم يكذبون بشكل لا واعي، ويعتقدون بأنهم يقولون الحقيقة، لكنها الحقيقة التي تراها مشاعر الحنين الجارفة نحو هذا الماضي، وليست حقيقة هذا الماضي الفعلية.

إنها «النوستالجيا» أو ما يسمى بالحنين الشديد لماضٍ مثالي، والنوستالجيا هي أقرب ما تكون للعقدة أو المتلازمة الموجودة لدى جميع البشر ولكن بنسب مختلفة ومتباينة، فمن خلالها وبسببها يقوم الإنسان بشكل لا واعي بعملية فرز لا إرادية لذاكرته، يقوم من خلالها بإبراز المواقف الجميلة الموجودة في الماضي وإسقاط جميع المواقف السيئة، مما يجعل هذا الماضي مثاليًا صافيًا وجميلًا في مخيلته وفي ذهنه.

هذا الماضي المنقّح من جميع الشوائب والمنغصات والمواقف السيئة والتجارب المريرة سيظهر في مخيّلة صاحبه كامل البياض والنقاء فيتذكره كذلك ويرويه كما يتذكره.

أعزائي الشباب: أهلكم لا يكذبون عليكم، لكنهم في المقابل لا يروون لكم الحقيقة بكل تجريديتها وقبحها، هم يحاولون أن يكونوا بمنتهى الصدق فيما يروونه لكم، لكنهم لا يستطيعون، متلازمة «النوستالجيا» لديهم تخفي الواقع وتبرز الجمال، واقعهم كان مليئًا بالإحباط والكذب والغدر والاحتيال والنصب والتسلّق… إلخ، كما هو واقعكم الحالي، وواقع جميع البشر طوال تاريخهم، لكنها نعمة النسيان وألق المخيّلة وتجليها هي من يمنح البشر هذه القدرة العجيبة على تجميل الماضي وتزويقه في ذاكرة الإنسان وفي روحه.

ربما من أجل منحه شيئًا جميلًا يواجه به واقعًا مريرًا، ربما من أجل منحه الأمل بأن الماضي الجيّد سيعود يومًا ويمحي كل هذا السوء، ربما من أجل أن يتعذب الإنسان بذاكرته، لا أعرف حقيقة، كل ما أعرفه أن متلازمة تجميل الماضي جزء من كينونة البشر وحياتهم على مر تاريخهم.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق