بين الضفتين

التجارب الإنسانية بين الانكماش والتمدد

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

الإنسان -كما يقال- ابن بيئته، فهو انعكاس حقيقي لمحيطه الذي يعيش فيه بكل ما فيه من مظاهر، انفتاح أو انغلاق، سطحية أو عميقة، وفي هذا تتساوى المجتمعات المتقدمة والمتأخرة عن الركب الحضاري، فالتفاوت في الإدراك والقدرات بين الأفراد سمة متجذرة في بنية أي مجتمع، بغض النظر عن تقدمه أو تأخره في مجالات الحياة المتنوعة، وذلك بحسب التراكم المعرفي والتجارب الإنسانية لكل فرد.

فمنذ بدأ الخلق والناس تختلف في كيفية إدارة شؤون حياتها الخاصة بحسب إدراكها لمستجدات واقعها، وما يقتضيه هذا الواقع من تغير في نمط الحياة من فكر وعادات وعلاقات اجتماعية… إلخ.

لكن هناك فئة من الناس في مجتمعنا ليس لديها أدنى رغبة في مواكبة المستجدات في شتى مناحي الحياة، فهي تعيش في إطار اجتماعي، يشبه كثيرًا ما اصطلح على تسميته في المجتمعات الغربية بـ«الغيتو» وهي حالة من الانعزال الفكري والإنساني، بحيث يحصر الإنسان ذاته في أضيق النطاقات الاجتماعية عبر وضعه حواجز وهمية تلغي كل ما لا ينتمي إلى دائرته الضيقة من الوجود الحسي والمعنوي.

ويمثل هؤلاء المثال الأوضح على أن داخل المجتمعات ذاتها كيانات صغيرة تتوهم أنها جزءٌ من المجتمع الذي تعيش فيه، بينما هي في حقيقة الأمر تدور في فلكها الخاص الذي لا يتماهى مع التطورات والمستجدات التي يمر بها المجتمع، لأنها تؤمن إيمانًا مطلقًا بأهمية الثبات والبقاء على ما هي عليه من فكر وعادات وتقاليد تنبذ الجديد المختلف وتمجد القديم المتكرر بصورة تكرس في الذاكرة الجمعية الخوف من كل دعوات الانفتاح والتجديد بحجج ومبررات واهية.

في حين أن المجتمعات الحية تمتاز بقدرتها على تحويل التنوع والاختلاف إلى مواطن قوة تزيد من فرص تطورها وتنميتها في شتى حقول العلم والمعرفة، من خلال تأصيل فكرة الثراء الفكري والمعرفي بين أفرادها والذي يدعو إلى المباهاة والفخر في تعدد المشارب والأطياف التي تشكل لوحة متناسقة في ألوانها وأبعادها.

في تجاربنا الإنسانية نصادف أناسًا متفاوتين في الإدراك والفهم، فمنهم من تشعر حين تتحدث معه بأن الفكر قد يصاب بالانكماش والاضمحلال كلما تقدم العمر بالإنسان، خاصة أولئك الذين يعيشون حياتهم بوتيرة واحدة في إطار روتيني يومي يصيب العقل بالجمود والتكلس على نحو يثير الشفقة والعطف.

وفي المقابل، هناك بشر يثرون تجربتك الفكرية والإنسانية في كل مرة تصادفهم في الحياة، لأنهم يعززون قناعتك بأن تنوع الأفكار وتطورها سمة من سمات التجارب الإنسانية الناجحة، فتراهم مدفوعين بشغف الاطلاع والمعرفة إلى اكتشاف مظاهر الجمال في كل ما يحيط بهم من جمادات وكائنات حية، بل إنهم يشعرونك بأن عظمة الإنسان تكمن في التنوع الذي يؤدي إلى تطور الفكر الإنساني وبلوغه آفاقًا شاسعة من التسامح والتعايش بين المختلفين.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

‫2 تعليقات

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى