برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

آلة زمن

كان يسير بآلته مفتونًا بقدرتها العجيبة على العودة بالزمن إلى حيث يشاء ممتطيها، ويتذكر كيف كانت آماله عريضة حافلة بالكثير من الزبائن المحتملين الذين سيرغبون في استعمالها للعودة للحظات معينة في تاريخهم كانت مفصلًا غير حياتهم، كي تكون لهم فرصة ثانية لإعادة الاختيار وتغيير مجرى السيناريو، وهذه فرصة لا يحظى بها إلا القليل، ولحسن حظه أنه يملك أداة إتاحة هذه الفرصة.

لكن تلك الآمال كانت تتبخر دومًا بسبب الشرط الذي اشترطه عليه مانحها له، التزام الصدق والشجاعة في بذل النصيحة لزبائنه مهما كلفه ذلك.

هذا الشرط كلفه الكثير جدًا حتى هذه اللحظة، فالزبون الذي سيقتنع بنصيحته لن يضطر لاستعمال هذه الآلة، وبالتالي لن يكون مدينًا له بقيمة هذا الاستعمال.

تذكر ذلك الشاب الذي أراد بشغف شديد استعمال الآلة ليعود للحظة التي فُصل بسببها من مدرسته ولم يتمكن من الحصول على الشهادة الجامعية بسبب ذلك، لكن نبهه حينها من باب النصيحة أنه يملك مهارة في العمل اليدوي يستطيع أن يكسب بها الكثير، وأن سبب الألم والشعور بالفشل الذي لازمه بعد فصله من الدراسة لم يكن سببه هذا الفصل، لكن سببه أنه لم ينظر لداخله ويعيد اكتشاف ما يملكه من كنوز خاصة به وتميزه.

خسر زبونًا، لكن ها هو الآن قد أصبح بارعًا في أمر لا يتقنه سواه!.

وتذكر تلك التي أتته تندب حظها تود استعمال آلته للعودة بالزمن لتلك اللحظة التي انفصلت فيها عمن تحب ودخلت في دوامة من اليأس والألم بعدها، فنبهها أيضًا أن تنظر داخلها لتحاول الكشف عن تلك المواهب التي تملكها وتمكنها من الارتقاء والتي قد حجب عنها الانتباه لها تلك الهالة من الاندفاع خلف شخص لم يحسن التمسك بها!.

أيضا خسر زبونًا محتملًا، لكن اكتسب صداقة امرأة قفزت بسرعة الصاروخ تلاحق حلمها الذي كاد أن يتوارى.

في الحقيقة وجد أن آلته ربما تلقى شغف الكثيرين الذين يظنون أن تحسين حياتهم يتوقف فقط على العودة بالزمن للحظات التي بدلت حياتهم نحو طريق لم يكن في حسبانهم، لكن أيضًا وجد أن هؤلاء لم تكن حقيقة أزمتهم في الحدث نفسه الذي وقع في الماضي، لكن حقيقة تلك الأزمة هي في رفضهم نفض غبار أحلام لم تعد تناسب مقاسهم، كانت في عجزهم عن رؤية داخلهم، وتجاهلهم لما يجب عليهم فعله رغم جلائه، وخوفهم من البدايات الجديدة.

الأحداث لابد أن تقع، والأخطاء واردة، لكن هذه الأحداث والأخطاء في حقيقتها ليست إلا مراحل في خطة صناعتنا، وليس هناك من طريق أمامنا إلا أن نتفاعل معها ونتعلم منها وننظر للأمام ونمضي قدمًا، أو أن نستسلم لعثراتنا ونلتصق بأرضنا نندب حظنا وننتظر آلة الزمن هذه لتقوم بدورها، ولكن حتى حينها، حتى لو عدنا بواسطتها للخلف، فإننا سنقع في الأخطاء، وربما الأخطاء ذاتها، لأننا لم ندفع ثمن تعلمنا جيدًا.

مر كل ذلك في خاطره وعقله وهو يسير بآلته يبحث عن زبائن جدد قد يتغلب شغفهم بالماضي على شجاعتهم في مواجهة الحاضر والتأهب للمستقبل ومواجهة أنفسهم قبل ذلك.

الآن، أسألك أنت، نعم أنت: لو صادفت هذا الرجل في طريقك فهل سترغب في استعمال آلته السحرية تلك؟.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق