برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حنين

الإنسان «المشاع»!

 الخصوصية، هي حق الإنسان في أن يُترك وشأنه بدون تدخل أو تطفل، حقه في أن يكون لديه أسرار لا تُفصح إلا بإرادته، حقه في ألا يتدخل أحد في تفاصيل حياته ويؤثر عليها رُغمًا عنه.

حدود الخصوصية تختلف من زمن لآخر ومن مجتمع لآخر، تضمنها القوانين بدرجات مختلفة من دولة لأخرى، حين تصيغ دولة ما قانونها في الخصوصية فإنها تعتبر العرف والمجتمع والدين والقوانين الدولية والتاريخ وتوقعات المستقبل.

الخصوصية فكرة قديمة، قدم الإنسان نفسه، عبر عنها بأبسط الصور مثل أن «توشوش» سرًا في أذن صديقك! أن تضع صندوقًا تجمع فيه أسرارك، أن تخفض جوالك قليلًا حتى لا يتلصص جارك على الشاشة، كل هذه مساعٍ للحفاظ على الخصوصية.

الخصوصية كانت ومازالت تؤرق الأفراد في المجتمعات، كلما ازداد التزاحم عانت الخصوصية أكثر حتى تكاد تنعدم في الأماكن المكتظة كعشوائيات نيودلهي، كسب مصطلح الخصوصية زخمًا خاصًا مؤخرًا لتعرضه لتهديد جعله على المحك يكون أو لا يكون، هدد التطور التكنولوجي الخصوصية بقدرته على انتهاك كل أشكالها عند الإنسان، صوت وصورة ومعلومات صحية وخطط مستقبلية وتفضيلات الشراء والرغبات الجنسية، كل شيء تعرفه عنك التكنولوجيا ربما أكثر مما تعرف عن نفسك.

كيف سأكون إذا انتهكت خصوصيتي تمامًا؟ ستكون إنسانًا مشاعًا، يعني كلنا نمتلكه ولا يمتلك نفسه، «مشاع» يعني مشترك دون قسمة واضحة، مثل الأراضي المشاعة وهي الأراضي التي يشترك في استغلالها عامة الناس.

تتأثر كرامة الإنسان إذا لم يملك نفسه كما تتأثر كرامة العبيد في العصور القديمة، وكيف يمتلك الإنسان نفسه؟ النفس لها عدة جوانب إذا امتلكتها جميعًا تكون حرًا، الجانب البدني، فأنت تقرر ما تأكل وكيف تتحرك وكيف تنام وعند من تعمل، والجانب المعلوماتي، أن تمتلك جواز سفرك بطاقة هويتك شهادة ميلادك، أين كنت أمس عصرًا، خططك المستقبلية، وأين ستذهب بعد ساعة، اسمك، عنوانك، أسامي أصدقائك، تاريخ ميلادك رقم جوالك… إلخ.

كل هذه معلومات شخصية المفروض تكون معك وحدك وتحت سيطرتك ولا تُشارك إلا بإرادتك، إن خسرت أي جانب بدني أو معلوماتي من نفسك تكون خسرت جزءًا من حريتك ومشيت خطوة في طريق الاستعباد، ولو خسرت كل شيء تصبح كالعبد أو الأسير ممتهن الكرامة الإنسانية.

سعاد العريفي

سعاد سليمان العريفي، أستاذ مساعد، قسم نظم المعلومات، كلية الحاسبات وتقنية المعلومات، جامعة الملك عبدالعزيز حصلت على درجة الدكتوراه في أمن المعلومات تخصص أمن الحوسبة السحابية من كلية رويل هولوي، جامعة لندن في بريطانيا، سبق لها الكتابة في عدد من الصحف السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق