برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بصمة

«سيف الدين قطز» والفكر الاستراتيجي في دولة المماليك

في هذه المقالة سأتحدث عن أحد السلاطين المماليك الذين كان لهم دور كبير في الذب عن الإسلام والمسلمين، حيث لعب دورًا بطوليًا في مقابلة جيوش المغول بالشام، وكان لتخطيطه العسكري الدقيق وعمق الفكر الاستراتيجي الذي استخدمه في تلك المعركة الدور الكبير في انتصار المسلمين على المغول، فهو السلطان سيف الدين قطز الذي قاد المسلمين في معركة عين جالوت، سنة 658هـ/ 1260م.

السلطان قطز حكم مصر بعد القضاء على دولة الأيوبيين، وكانت فترة حكمه لم تتجاوز السنة الواحدة فقط، إلا أنه قدم فيها ذكرى جميلة مازالت تتوارثها الأجيال عبر الأجيال، من خلال ذلك الانتصار الكبير ووقف المد المغولي في بلاد الإسلام، وقد كانت تلك الفترة عصيبة على المسلمين بسبب اجتياح المغول لعاصمة الخلافة بغداد سنة 656هـ /1258م ومن ثم تم اجتياح الموصل فحلب الذي قتل من أهلها ما يقارب المائة ألف شخص، بعدها تم استسلام دمشق لهم، ولم يتبق سوى القاهرة، فأرسل هولاكو رسلًا من عنده إلى السلطان قطز يطالبه بالاستسلام.

فجمع قطز أركان دولته وشاورهم بالحرب، ثم أصدر عفوًا عامًا على المماليك البحرية الذين فروا إلى الشام بسبب مقتل زعيمهم فارس الدين أقطاي، وكان على رأسهم القائد الظاهر بيبرس، فحضر بيبرس ومعه المماليك البحرية حيث يمثلون قوة ضاربة في الحروب، واجتمعوا بالقاهرة وتشاوروا، فقرر السلطان قطز الحرب وقال كلمته المشهورة أمام أركان دولته «من للإسلام إن لم نكن نحن» ثم قرر قطز قتل رسل هولاكو وعلق رؤوسهم على باب زويلة بالقاهرة، وإعلانه الحرب على التتار.

أول التكتيكات العسكرية التي اتخذها قطز بأن هادن الصليبيين بعكا، وأرسل لهم بأن يكونوا في حربه هذه في الحياد، وأخبرهم أنه سيمر عبر أراضيهم فإن حصل أي اعتداء فسيرجع إليهم ويحاربهم قبل المغول، فكان له ذلك، وهذا يُعد من القوة والثقة بالنفس أمام الأعداء، ومر بجيشه عبر الأراضي التي يسيطر عليها الصليبيون بعكا ولم يتعرض له أحد، وهذا الأمر يُعد من التكتيكات العسكرية التي نجح فيها قطز.

كان هولاكو قد غادر دمشق متوجهًا إلى بلاده تاركًا جيشه في يد زوج ابنته كتبغا، بحسب ما وصلت إليه معلومات خاطئة من أحد الأمراء الأيوبيين الذين تم أسرهم عند اقتحامهم الشام، بأن ما تبقى من المماليك لا يمثلون خطرًا على جيشه، فقرر المغادرة.

عندما وصل السلطان قطز إلى عين جالوت نظم جيشه، فكانت المعركة يوم الجمعة 25/ رمضان وكان التخطيط العسكري المتقن له دور كبير في الانتصار بعد الله -سبحانه وتعالى- حيث نزلت مقدمة الجيش بقيادة بيبرس، ثم انضمت مقدمة أخرى ترتدي ملابس ذات اللون الأحمر والأبيض، ثم نزلت كتيبة تلبس الملابس الصفراء، ثم تتابع نزول الكتائب كلًا بلونه المخصص، وما لبثت سويعات حتى أُبيد الجيش المغولي عن آخره، وانتصر المسلمون وزفت البشائر لبلاد المسلمين كافة.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق