برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

القراءة منحة إلهية

التجارب وحدها لا تصقل ذات الإنسان ولا تهبه خلاصتها بمجرد انتهاء أحداثها، والحياة كما يعرفها الجميع حافلة بالتجارب الحزينة والسعيدة على السواء، ولنا في كل منعطفاتها الخطرة والأمنة وقائع وأحداث، ربما تكون انطلاقة البداية أو نهاية الحكاية.

هنا سأتحدث عن تجربتي الشخصية مع القراءة من منظور فلسفي، لعلني أبلغ مرادي من التأكيد على أهميتها في حياة الإنسان كمنحة يهبها الله من يشاء من عباده، فإذا أحسن العبد استثمارها بالطريقة المثلى، فإنه سينعم بالوئام الداخلي والتصالح مع الذات، وسيدرك بأنه جدير بأن لا يعيش على هوامش الحياة.

تعلمت من القراءة أن التضاد هو أساس التنوع في الكون وبه تتلون مراحل حياتنا من سواد إلى بياض ومن بؤس وشقاء إلى سعادة وفرح، لن أتحدث عن مكاسبي من القراءة، بقدر ما سأتحدث عن أفضالها عليَ لأرى الحياة ببصيرتي قبل بصري، وأفهمها كما هي لا كما يصورها الجهلاء والأغبياء كأرجوحة أطفال تأخذنا إلى الأعلى ثم تهوي بنا إلى الأسفل، وهكذا دواليك إلى أن تكل أيدينا من الإمساك بها.

إن القراءة المتعمقة تنقي عقولنا من شوائب الجهل وتنير عتمة الآفاق الحالكة من حولنا، ولكم أن تتخيلوا كم من الحيوات والأزمنة التي ستمر بكم وأنتم تلجون عالم القراءة بعيونكم وعقولكم؟ حتمًا ستصابون بالدهشة حين تتدفق قصص التاريخ بأبطالها وأحداثها أمام خيالكم محملةً بالحقائق التي يستلهم منها العقلاء العظات والعبر، وسترون أن الحضارات باختلاف أديانها وثقافاتها تتجسد على الصفحات بقضها وقضيضها، وبأن جغرافيا الأمم كانت ولا تزال في حالة تأرجح بين جزر ومد منذ الأزل.

القراءة بالنسبة ليَ أشبه بالمصباح السحري الذي يبدد دياجير الظلام بنوره المتدفق في زوايا التاريخ، لأرى من خلاله تفاصيل العصور الماضية بكل ما حملته من حكايات وأحداث مؤلمة ومفرحة، هي باختصار آلة الزمن التي بإمكاننا أن نعود من خلالها إلى الوراء ونتخيل الأحداث والأشخاص ونستحضرهم بكل تفاصيلهم في أذهاننا، وبها نستطيع استشراف المستقبل وما ستؤول إليه أحوالنا وأوضاعنا في مقبل الأيام.

إن الإنسان القارئ يتعامل مع الواقع بوعي وحكمة، ويرى بعقله ما لا يراه بعينيه حين يواجه متاعب الحياة وأزماتها، فالقراءة الجادة مفتاح لكثير من الأبواب المغلقة وطوق نجاة حين تدفعك ظروف الحياة باتجاه بحار الجهل والظلام رغم عنك.

إن أفضال القراءة على الإنسان لا تعد ولا تحصى، كيف لا وهي أعظم منحة إلهية لبني البشر كي يتأملوا أحوال الأمم السابقة، ويتعظوا من حوادث الأزمنة الغابرة ويتجنبوا قدر الاستطاعة تلك المآلات المأساوية التي جرت على أجدادهم في العصور الماضية، ويكفي أن أول آية أنزلها الله على نبينا المصطفى ابتدأها بقوله «اقرأ باسم ربك الذي خلق» كأوضح دليل على أن القراءة كانت ولا تزال جسرًا نعبر من خلاله ضلالات الشك لنصل إلى جنة اليقين الذي لا لبس فيه.

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق