برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

الهروب من التشدد إلى الانحلال

لا تُلام العين حين يصيبها العشى بعد طول الظلام، كما لا يُستغرب من الطير تخبطه وضرب جناحيه في كل اتجاهٍ بعد تحرره من الأسر، هذه وتلك ردتا فعلٍ طبيعيةٍ على القيد، واحتجاجٌ على الحرمان.

ولكن هذا لا يعني صواب العشى وخبط العشواء في ذاتهما، ولذلك كان لزامًا على العاقل أن يوطّن نفسه على ما يستجد عليه، وأن يفزع إلى ربه، ثم إلى أسسه الأخلاقية والحياتية التي لا تقبل الشك أو المماحكة أو الجدال، من عاش الأربعة العقود الماضية، سيعرف حجم التضييق الذي عانت منه أجيال تلك العقود، وسيرتوي من مرارة الحسرة على حرمانه من المباحات الجميلة، وتقليصها إلى درجةٍ قريبةٍ من العدم، مع ما ترك ذلك من تشوهاتٍ في نفسه البشرية.

هذا أمرٌ يرتقي إلى اليقين، وأثبتته الأحداث وأحوال نتاج تلك العقود، إلاَ أنّ ما يجب على المؤسسات الرسمية، والنخب المجتمعية، في هذه الحال، هو الحرص على قراءة حجم التيه الذي أصاب المجتمع، ودراسة آثاره، والبحث عن الحلول لمعالجتها، وهذا ما ستحاول هذه المقالة تلمسه بقدر ما يستطيع كاتبها.

من يلاحظ حال المجتمع، بعد أن سُمح له بالاتجاه إلى الحياة الطبيعية، وسلوك الطريق إليها، سيلحظ بلا شكٍ أنّ هناك حالة من التيه، واضمحلال العلامات الفارقة التي ترشد سالك تلك الطريق، كما سيلمس على كل المستويات، تبدلًا كبيرًا – ينطلق من السطحية الجوفاء، والانتقام الأخرق من الماضي – في المقاييس والمرتكزات.

وخطورة هذا التبدل تكمن في أنّه لم يأتِ كنتيجةٍ لحراكٍ معرفي حقيقي، تفضي مقدماته إلى نتائجها الطبيعية حتمًا، بل جاء انسياقًا خلف رأي عامٍ، تقوده مجموعة من الجهلاء والسطحيين من المؤثرين في وسائل التواصل وقنوات الإعلام المختلفة، ممّا سوغ للحمقى أن يتولوا التنظير لصناعة المقاييس الجديدة، وتكييف الناس عليها، وأنا هنا لا أتحدث عن تغيير المقاييس في الأمور الخلافية الفرعية، بل أتحدث عن تغيير الطريقة التي يستصدر المجتمع بها أحكامه ومقاييسه، ثم عن تغيير التقييم لكل الأسس والثوابت.

كما أنّ الحديث هنا لا يشمل التصرفات الفردية بغض النظر عن ماهيتها، نقاشٌ بسيطٌ مع أحد ضحايا هذا التشويه والعشى، سيفاجئ الإنسان العاقل بمدى وثوقية هؤلاء الناس في أفكارهم ورؤاهم رغم سخافتها وتهافتها، بدءًا من النظرة إلى الدين والوطن والسياسة، ومرورًا بالفن والرياضة، وانتهاءً بالقيم والأخلاق، وهؤلاء المشوهون – بالفتح والكسر – ليسوا قلة، وليس تأثيرهم بالهامشي كما يظن بعض الناس، إلاّ أنّ جلبة الاحتفاء بالتغييرات الحياتية المتسارعة، قد أشغلت عن رصد حجمهم، ومدى تأثيرهم، ولأنّ الأيام لا تلد إلا ما تحبل به، فقد وجب على مؤسساتنا الرسمية – التعليمية منها على وجه الخصوص – أن تنتبه لذلك وأن تعلق الجرس بشأنه، كما يجب على نخبنا الفكرية بمختلف مشاربها أن تتصدى لهذا العشى الذي سيعم إن لم نتداركه، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

خالد العمري

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق