برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
Ticket

«قل شكرًا لعمو»

ونحن في مقاعد المطار منتظرون وصول الطائرة، تناول طفلهما قطعة من البسكويت ثم نهض ليرمي بغلافها في صندوق النفايات دون أن يوجهه أحد، وحينما شاهد أقرانه يعبثون بكل المرافق ويرمون نفاياتهم في كل مكان كان ينظر إليهم باستغراب، بينما هو جالس في مقعده بكل هدوء، ولا يقطع هدوءه سوى تحدثه مع والديه بصوت منخفض بين الوقت والآخر، ثم يتابع مشاهدة جهازه اللوحي مرتديًا سماعة الرأس.

وعلى الجانب الآخر كان يعبث ثلاثة من الأخوة في أعمار متقاربة بكل ما حولهم، مصدرين ضجيجًا مزعجًا لكل الموجودين، وبين كل ذلك كان والداهم يرمقان شاشتي هاتفيهما دون اهتمام بهم، على الرغم من انزعاج الجميع منهم بشكل ملحوظ، وحين انزعج والدهم من ضجيجهم أخذ يوبخهم بصوت أكثر إزعاجًا!.

هذان نموذجان بسيطان لما نشاهده بشكل يومي في الأماكن العامة من سلوكيات متباينة للأطفال، تعكس حقيقة تربيتهم وتعامل آبائهم معهم، ومن خلال هذه المشاهد قد تستطيع الحكم على أسلوب حياة عائلة بأكملها.

نواجه كثيرًا مثل هذه النماذج وغيرها والتي ربما يعتبرها البعض سلوكًا اعتياديًا لكنها تستوقفني كثيرًا لأنها صورة واقعية لما يدور في المنازل، فمن خلالها تعرف كيف هي تربية الطفل الذي أمامك وكيف يمارس الأبوان التعامل أو العقاب معه.

الأماكن العامة وأماكن الالتقاء بعدد كبير من الناس هي إحدى المرايا التي تعكس التربية الاجتماعية بشكل حقيقي، فحين تكون في مكانٍ عام سترى نماذج متباينة من السلوكيات التي تعكس تربية الأسر لأطفالها، فهناك من تتضح القسوة كأسلوب طاغٍ على تعامله، وهناك من يتضح اللين المفرط والدلال المفسد في تعامله، وهناك من يتضح إهماله أو رقيه في التعامل مع أطفاله من خلال مثل هذه المواقف.

ولا يمكن للفرد أن يغير سلوكيات أطفاله في مكان عام أمام الناس بشكل مفاجئ، ما لم تكن السلوكيات الصحيحة مغروسة فيهم مسبقًا.

وكما في إحدى القصص المتداولة اجتماعيًا، حين منح صاحب المنزل ابن الضيف قطعة من حلوى، وظل والده يكرر «قل شكرًا لعمو» دون أن يستمع الطفل، بل كان ينظر لوالده بغرابة، ثم رمى بغلاف الحلوى على «عمو»! وهذا لأنه تفاجأ بشيء لم يعتد عليه من الأساس فهو لا يعرف ماذا يعني «قل شكرًا» ببساطة لأنه لم يعتد الاستماع إليها أو ممارستها في المنزل، فمثل هذه السلوكيات لا تنشأ في لحظة، ما لم يشاهدها الطفل في المنزل ويتكرر تحفيزه على فعلها.

أخيرًا، أطفالك يعكسون أسلوبك الحياتي وطريقة تفكيرك من خلال تعاملك معهم والذي سيظهر جليًا في تصرفاتهم أمام الآخرين، لذا وإن كنت راغبًا في تشكيل صورة إيجابية عن منزلك ورقي تعاملك، فليكن لأطفالك الدور في إظهار ذلك أمام الآخرين.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق