برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
همسة

الحروب الوهمية

الانتماء للمصطلح مشكلة وورطة حقيقية، لأنه يجعلك عند العارفين: ضمن إطار محدد «ضيق» يضعه واضعو المصطلح، ويجعلك عند العامة: في إطار يضع حدوده أعداء هذا المصطلح والمتعصبون ضده، إما ضده بسبب اختلاف فكري وهو نادر، أو ضده بسبب تعصب لمصطلح مضاد وهو شائع.

في وقت ما -وربما إلى يومنا- نجد حروبًا تشتعل بين وقت وآخر ضد مصطلح ما، ويُرمى ويوشم كل شخص به كنوع من التحريض على الآخر، ربما هو لا يؤمن بكل المفردات التي يضمها الإطار الحقيقي لهذا المصطلح، لكن يتم ذلك من باب الانتهازية وركوب الموجة، مثلا: كل من يدعو لتنقيح السنة النبوية يرمى ويوشم بالقرآنية «صفتها كما يدعون تكفر بكل سنة نبوية» حتى إن كان لا ينتمي فعلا للمؤمنين بها بكل مفرداتها.

وكل من يدعو لحرية الرأي والقرار يُرمى ويوشم بالليبرالية «بصفتها كما يدعون تدعو للفوضى وعدم الانضباط بالضوابط الشرعية».

وكل من يدعو لعدم تدخل رجال الدين في أمور لا تدخل في تخصصهم كالطب والسياسة، يرمى ويوشم بالعلمانية «بصفتها كما يدعون تدعو لفصل الدين عن الحياة كلها».

والآن نبت لنا الذين يرمون كل من طالب بحقوق المرأة بـ«النسوية»، بصفتها كما يدعون تدعو للشذوذ والانحلال وتفكيك الأسرة، وعلى ذلك فقس.

ربما كان بعض تلك المصطلحات أو المناهج تحمل أمرًا أو آخر يتنافى مع قيم المجتمع أو تدينه، لكن مؤكد أنها تحوي أيضًا بعض الأمور التي تحمل الخير.

عندما يعلن أحدهم انتماءه لفكر ما: فما سيحدث أنه سيتحمل وزر كل المفردات المدرجة تحت هذا المصطلح، خيرها وشرها، غثها وسمينها.

وسيجد أعداء التنوير والتحديث وأيضًا أعداء الدين وأعداء المجتمع، بل أيضًا أصحاب العداوات الشخصية لأحدهم: سيجدون منفذًا للهجوم على أي عملية تنويرية أو تحديثية يدعو لها أو يدعمها هذا الشخص، سواء بدافع العداوة للشخص نفسه، أو بدافع العداوة للأوطان أو الحكومات أو للمجتمعات أو حتى للأديان.

وهنا تجد الحروب الوهمية، التي ظاهرها الحرص على الخير والإيمان، وباطنها النفاق والعمالات.

يدخل تحتها السذج والجهال بكل قناعة، يظنون أنها لخدمة الأوطان والأديان، وحقيقتها خدمة المصطلحات والمصالح والأجندات.

لذلك أجد أنه لا ينبغي للشخص أن يتبنى انتماء محددًا نحو أي مصطلح أو منهج بعينه، يكفيه الانتماء لأصول دينه الثابتة قطعًا والمجمع عليها، والانتماء لوطنه، فهذان أمران لا يدخل تحتهما إلا مفردات لا خلاف عليها.

ولنأخذ من كل مصطلح أو منهج -مادام غير مجرّم قانونًا- ما يناسب وضعنا وظرفنا «الزمكاني»، وندع للآخرين حرية ذلك، إذ إن هدف الإنسان الأول والأخير هو عمارة الأرض، والعمارة تحتاج للأمن والاستقرار في وطنه، فهدفه هو خدمة وطنه وإعلاء رايته وخدمة كل ما من شأنه ضمانة استقرار مجتمعه، وليس خدمة المصطلح وإعلاء رايته أو استقرار فئة بعينها تعلن انتماءها لهذا المنهج أو المصطلح.

لا ينبغي الانشغال بتصنيف الناس وتقسيم المجتمع وإشعال الحروب التي في حقيقتها لا تهدف إلا لخدمة الأمجاد الشخصية.

اجعلوا انتماءكم لأوطانكم، وللحكمة.

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق