برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سبْر

فهد عافت.. الإنسان والشاعر والصحفي

أنا اكتب هذه المقالة كل يوم أحد، وقد كتبت في مجموعةٍ من الصحف فيما سبق بفضل الله، ثمّ لأنّ إنسانًا نبيلًا آمن بقلمي، ومنحه فرصةً للركض والتجريب.

كان ذلك في منتصف التسعينيات الميلادية من القرن الماضي، وكان قلمي كحال صاحبه غضًا يتلمس طريقه، في تلك الفترة تولّى فهد عافت إعداد ملفٍ يهتم بالأدب الشعبي والفن في مجلة حياة الناس، كان اسم الملف قطوف، وقد تطور فيما بعد ليصبح مجلةً رائعةً، قبل أن تتوقف لأسبابٍ لا علاقة لها بالجودة والإبداع، وقد أرسلت له في ذلك الوقت قصيدةً لا أذكرها، ومقالةً نقدية، وقد تفاجأت به يرد على الرسالة ويثني على القصيدة والمقالة ويعد بنشرها، كانت تلك أول محاولةٍ لي للنشر، وليس لدي من الكلمات ما يكفي ليصف فرحتي بكلام فهد عافت ورده الكريم على رسالة ذلك الفتى المراهق.

في تلك الأيام كان فهد عافت بالنسبة لنا أحد أيقونات الشعر والحداثة والفلسفة، كنّا نقرأ قصائده بمزيجٍ من الخوف والخيلاء والسعادة، كنّا نردد أبياته، ونحفظ مقاطع من قصائده، رغم جهل معظمنا بدلالاتها ومعانيها، أخبرت بعض الأصدقاء أنّ فهد عافت سينشر لي القصيدة والمقالة، لم يصدقوني بالطبع، حتى فعلها «فهد» ونشرها، لا أذكر سرورًا يشبه ذلك السرور، نشرتُ بعدها مئات المقالات والقصائد، ولم أشعر ولو بجزءٍ يسير مما شعرت به حينما نشر «فهد» القصيدة الأولى، والمقالة الأولى لي.

في فترةٍ لاحقة، كان «فهد» في الرياض في طور الإعداد لبرنامجٍ إذاعي على ما أذكر، وقد اتصلت به هناك في مكتب قطوف لأمرٍ يخص بعض ملاحظاتي البسيطة التافهة على العدد الأخير، وكان مستعجلًا فاعتذر بأدبٍ جمّ، وأنهى المكالمة سريعًا، فأرسلت له فاكسًا يحتوي العتاب والطيش والغضب، لم تمضِ خمس دقائق على إرسال الفاكس، إلا وفهد عافت يتصل بي معتذرًا وجابرًا للخواطر، وكان والله أحق أن أعتذر منه، ولكنه السمو والكرم والرفعة، هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يميز الرجل العظيم عن غيره.

بعدها كان قلمي يرتحل مع فهد عافت أينما ذهب، وكان يتعامل مع ما نكتب بروحٍ أبويةٍ حانية، وبلمحةٍ نقديةٍ متسامحةٍ محفزة، كان يرى أجمل ما فينا، وذلك أمرٌ لا يتقنه سوى العظماء، و«فهد» منهم ولا شك.

إلى اليوم لا تزال قصائد فهد عافت ومقالاته تلهمني وتعلمني، وتأخذ بيدي إذا تعثرت، ربما لا يعلم «فهد» ذلك، ولكنها الحقيقة والله، ولم أرَ كاتبًا صحفيًا يأخذك برفقٍ إلى حيث يشاء، مهما كان الطريق وعرًا، ثم يصل بك إلى الغاية بهدوءٍ مهيب، كما يفعل سمير عطا الله وفهد عافت.

هذه المقالة ليست ردًا للجميل، فجميلك لا أستطيع رده، ولكنَها تلويحة شكرٍ أتمنى أن تصلك.

خالد العمري

خالد عوض العمري، خريج هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في وزارة الصحة، شاعر وكاتب , نشر العشرات من القصائد في الصحف والدوريات المحلية والعربية وله ديوان تحت الطباعة، كاتب رأي في عدد من الصحف السعودية منها عكاظ، الوطن، الشرق، البلاد والمدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق