برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

الشر.. ذلك المخلوق الوهمي

بعض الأمور لا يمكن أن تقول إنها موجودة بشكل حقيقي، بمعنى أن وجودها ليس إلا تعبيرًا عن غياب نقيضها.

فلا شيء هناك ملموس اسمه «الظلام»، لكن حالة «الظلام» هي تعبير عن غياب «الضوء»، كذلك لا يمكن أن تقول إن هناك وجودًا حقيقيًا للموت، إلا أنه تعبير عن غياب الحياة، بكل ما تمثله في مظاهرها الواضحة.

الأمر ذاته ينطبق على مصطلح «الشر»، إذ إن الشر كشر مطلق، غير موجود، كما بيّنت ذلك في مقالتي السابقة «شيء من البراغماتية» فذكرت أن ما يمر من أوضاع نراها تحمل «شرًا» ما هي إلا خير ممزوج ببعض شر أو بالأصح ممزوج بـ«آثار سلبية».

«الشر الصافي» كأمر مخلوق غير موجود، فما نراه من وجه الأمر – أي أمر – السلبي، ما هو في حقيقته إلا غياب للخير، تمامًا كما هو تعبير «الظلام» يعبر عن حالة غياب الضوء.

ما فات ليس من قبيل السفسطة، لكن هو رد على تساؤل البعض: لماذا خلق الله الشر وقد كان بإمكانه وهو القادر العظيم الرحيم ألا يخلقه؟ هل هو عاجز – حاشاه – عن ذلك أو راض – أيضا حاشاه – بذلك؟.

ما هو موجود من أوضاع نراها شريرة، هي ناتجة عن غياب الخير، وليس هو شر خلقه الله.

فالأمور التي نراها شريرة من تصرفات الطبيعة وليس للإنسان يد فيها، مثل الزلازل والبراكين، هي في الحقيقة خير بما تحمله من أوجه خير قد لا نراها بشكل مباشر – كما وضحت في مقالتي المذكورة السابقة – أضف إلى ذلك أن سوء تصرف الإنسان حيالها – حيث السكن بالقرب من الزلازل والبراكين – أو عدم أخذه الاحتياطات الكافية حيال احتمالات وقوعها، هذه الأمور ليست شرًا مخلوقًا، فلا يوجد تصرف يحدث ضمن قوى الطبيعة خالص الأضرار، أو شر مطلق.

أما بالنسبة لما يقع بيد الإنسان، سواء عمدًا كالحروب أو غيرها، أو عرضًا من مشكلات تصيبه لا يد له ظاهرة فيها، فهي وإن كانت لم تقع بيده، فهي وقعت بيد سواه، ولم يوقعها عليه الله رغبة في إيذائه.

فمسؤولية الإنسان فيها ظاهرة، فهو كان بيده – على سبيل المثال – أن يحافظ على صحته فلا يقترب من أسباب المرض! وهو كان بيده – أيضا كمثال – أن يحافظ على بيئته فلا يتسبب في ظهور التلوث بكل آثاره السلبية التي نشعر بها «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» ففي هذه الآية التي نزلت في سورة الروم ذكر الله لنا سبب الفساد وطريقة إصلاحه.

سبب الفساد وهو تعبير عن الشر، فالفساد لا يعود إلا بالفساد، هو كسب الإنسان وعمله، وإصلاحه بالعودة عن ذلك العمل.

فواحد من أسباب الفساد في البر والبحر التي من كسب يد الإنسان، هو التلوث، يعاني الإنسان آثاره «ليذيقهم بعض الذي عملوا» لعله يعمل على إصلاحه وعلاجه ويترك إحداثه «لعلهم يرجعون».

همسة سنوسي

همسة عبدالله سنوسي، من مواليد مكة المكرمة، بكالوريوس دراسات إسلامية، وآخر في علم الحيوان، حصلت على عدد من الدورات المتخصصة في الإدارة الإستراتيجية، الإدارة الاحترافية، عملت كمديرة للبرامج في الهيئة العامة للإعجاز العلمي التابعة لرابطة العالم الإسلامي، قامت بإعداد عدد من البرامج التلفزيونية مع قناة روتانا خليجية، مهتمة حالياً بتجديد الخطاب الديني وحقوق المرأة في الإسلام، كاتبة رأي في عدد من الصحف المحلية. صدر لها عدد من الكتب منها «رسول الإنسانية».. «النبي كمصلح اجتماعي»، «قصص سورة الكهف»، «الحياء» و «الوصايا الإلهية في الرسالات السماوية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق