برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فاصلة

معوقات العمل التطوعي

توقفنا في المقالة السابقة عند حقيقة أن لدينا نسبة كبيرة من الشباب تتراوح أعمارهم من 15 إلى 34 سنة، وأن دورهم للأسف الشديد مازال محدودًا جدًا في مجال الأعمال التطوعية -حسب إحصائية لوزارة العمل- وخلصنا إلى أن هذا حتمًا سيؤثر سلبًا على تحقيق الرؤية لأهدافها في هذا المجال، إذا استمر الوضع على هذا الحال، فأين الخلل؟.

في تقديري ومن خلال تجربتي الشخصية في هذا المجال لأكثر من 30 عامًا أن السبب لم يكن يومًا من الأيام هو الشباب وإنما عوامل أخرى أدت إلى إعاقة العمل التطوعي وضعف مشاركة الشباب في هذا المجال، وهذا ليس انطباعًا شخصيًا وإنما ما توصلت إليه إحدى الدراسات، حيث خلصت إلى أن الشباب السعودي راضٍ عن قدراته وإمكاناته في المساهمة في الأعمال التطوعية، وأن لديهم الرغبة والحماس للانخراط في الأعمال التطوعية من منطلقات خيرية ووطنية وتنموية واجتماعية، وأنهم يشعرون بالتفاؤل الإيجابي نحو المستقبل، وأتوقع أن «رؤية 2030» ستعزز من هذا للتفاؤل، لذا يمكنني تلخيص بعض المعوقات في عدد من النقاط أهمها:

أولًا: تدني مستوى ثقافة التطوع في المجتمع واعتباره مضيعة للوقت والجهد، بل إن هذا ينسحب حتى على الكثير من المؤسسات الحكومية والمسؤولين بها، وبالذات المؤسسات التنموية والتعليمية والتي تكرس مثل هذا المفهوم السلبي عن العمل التطوعي، أن هذه النظرة تجسد صورة ذهنية سلبية تعيق انخراط الشباب في العمل التطوعي وتشكل لديهم قناعات سلبية تجاه دورهم في التنمية.

ثانيًا: اعتقاد بعض المسؤولين في المؤسسات الحكومية أن العمل التطوعي منافس لهم وبالتالي يجعلون هناك عوائق تحجم من دور المؤسسات والجمعيات التطوعية في خدمة المجتمع، بدل أن تتعامل معه على أنه مكمل لدورها التنموي، وبالتالي توفر له الدعم اللازم لنموه وتطوره.

ثالثًا: عدم توفر الوقت الكافي لدى الشباب للمشاركة في العمل التطوعي بسبب انشغالهم في طلب الرزق للوفاء بمتطلبات الحياة لهم ولأسرهم وتعارضه مع أوقات العمل لعدم مرونة نظام العمل والدراسة، وهنا يتطلب إعادة النظر في نظام العمل بحيث يعطي مساحة كافية من خلال العمل الجزئي مثلًا، ليتمكن الشباب من المشاركة في الأعمال التطوعية واحتسابه ضمن متطلبات الترقية والعلاوات التحفيزية وما إلى ذلك.

رابعًا: ضعف الاهتمام بالعمل التطوعي في مؤسسات التعليم بالذات بكل مستوياته وعدم توعية وتحفيز الطلاب والطالبات على المشاركة في الأعمال التطوعية من الصغر وتشكيل القناعات لديهم من مراحل مبكرة، واعتباره جزءًا مهمًا من الأنشطة المدرسية والطلابية بل وجزء من المنهج الدراسي بمفهومه الشامل ومطالبة الطالب أو الطالبة بعدد من الساعات التطوعية كمتطلب من متطلبات النجاح.

خامسًا: ضعف الدعم المالي الحكومي والأهلي الذي هو عصب العمل التطوعي، وإذا لم يتوفر هذا الدعم فستكون مؤسسات العمل التطوعي لن تقوم على أرضية صلبة، وبالتالي لن تكون هناك استدامة لهذه الأعمال، وهنا يجب التنبيه إلى أن العمل التطوعي لا يقوم بدوره كاملًا، إلا إذا توفرت له مساحة كافية من الاستقلالية في موارده المالية ولهذا يشهد القطاع التطوعي هذه الأيام أزمة كبيرة في هذا الإطار وأصبح ضحية ضعف دعم الدولة والتضييق على مصادر الدعم الأهلي.

سادسًا: افتقاد كيانات العمل التطوعي إلى العمل المؤسسي الذي يقوم على فكر فلسفي ونظريات علمية وأسس إدارية تضمن جودة العمل وتحقيقه لأهدافه وهذا يتطلب تأهيل وتدريب وتطوير العاملين في هذا القطاع، وهو الذي يفتقد إليه الشباب بشكل كبير على الرغم من الجهود التي تبذلها بعض مؤسسات القطاع الثالث في تدريب وتطوير الشباب، إلا أن أثرها للأسف مازال محدودًا.

علي الشعبي

علي بن عيسى الشعبي، دكتوراه فلسفة في التربية والمناهج وطرق التدريس، تخصص لغة إنجليزية من جامعة ويلز – كاردف – ببريطانيا عام 1989م. يعمل حاليًا مشرفًا على فرع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في عسير، رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام «غراس» بمنطقة جيزان، المشرف على مشروع توثيق تجربة جيزان التنموية خلال الفترة 1422-1438. تتنوع خبراته بين إدارة التعليم العالي والموارد البشرية والتنمية السياحية والعمل الاجتماعي والتطوعي والحقوقي والتخطيط الاستراتيجي، كما له العديد من العضويات والأبحاث العملية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق