برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
عناقيد العنب

ثوان .. سنوات فارقة

الحدس يلعب دوراً جوهرياً في صناعة القرارات وأحياناً في اتخاذها على جناح السرعة، يُشعر صاحبه بتفتق ذهني مفاجئ يتيح له نوراً خفيفاً خلف يوم ضبابي مفعم بالحيرة والقلق والتحليلات المتشابكة، تزداد قيمة الحدس إذا ما أصاب مقتل التصرف المناسب في التوقيت المناسب. الحدس هو الذي أنقذ أكثر من 155 راكباً وطاقم الطائرة التي شهدت هبوط الطيار تشيلسي سولينبرغر “سولي” في نهر هدسون بعدما دمر سرب من الطيور محركيها, لولا بديهة طيار أوحت له خلال ثوان معدودة بضرورة تغيير مسار الرحلة وأن المتبقي معه من الوقت لن يمهله الوصول لأقرب مطار بناءً على نصيحة برج المراقبة، وعلى الرغم من أن ذلك أحاله إلى التحقيق وبعد العديد من عمليات المحاكاة لما كان يمكن أن يحدث خلال الثواني المعدودة موضوع الخلاف، تبين أنه كان على حق وأن خسارة طائرة لا تعادل جناح ذبابة في الكارثة التي كانت ستقع لو سقطت الطائرة فوق الأحياء السكنية، الحدس هو ذخيرة القادة والعباقرة الذين يعترف أغلبهم أنهم لا يملكون نسب ذكاء خارقة لكنهم فقط يصدقون ما يمليه عليه احساسهم أحياناً. الحدس هو سر ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان الذي يقوده لاستحداث قوانين وإقامة مشاريع وتطويع المستحيل ودفع ملموس لمحفزات النهضة والتنمية بما يستشرف المستقبل والتقدم على كل الأصعدة، وما رؤية 2030 إلا خير مثال على فاعلية الاستبصار الداخلي وبُعد النظر. كثيرون منا لم يهبهم الله عز وجل هذه الدرجة من البصيرة لكنهم ليسوا في عداد المحرومين، إذ يمكن الاشتغال عليها لتطويرها من العدم، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن ذلك سيتطلب جهداً ووقتاً، كما على الواحد منا وضع نفسه في اختبارات من اختياره حتى يتمكن من قياس ما بلغه من دقة في تقدير الأمور واجراء الحسابات الملائمة في وقت قصير. لو أن هناك مكونات لخلطة الحدس فيمكنني البدء بأنها دقة في استقبال الأحداث، استعداد للمغامرة وأخذ بعض المجازفات، تقبل الأخطاء وعدم إلقاء اللوم على أحد، انفتاح على قياس الايجابيات والسلبيات وتقبل النتائج، وعلى الرغم من أن الحدس ليس مدرجاً ضمن المهارات التي يمكن قياسها وليس مؤهلاً معترفاً به في أي سيرة ذاتية أو حساب على مواقع التوظيف، إلا أن جهات العمل بحاجة لإيجاد وسيلة اكتشاف الفطنة والنباهة لدى المتقدمين وتسخيرها في صالح العمل، ولن تكون تلك الوسيلة بالضرورة بين صفحات السجل الأكاديمي.

رأي رحاب أبوزيد

r.abuzaid@saudiopinion.org

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق