برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

هكذا يصنع الإسلام السياسي «صورة مع التحية لفهد العرابي الحارثي»

في مقابلةٍ سابقةٍ للدكتور فهد الحارثي حول الإسلام السياسي وحركاته ذكرَ فيها: أن الإسلام نفسَه سياسي، وأن لا مشكلةَ أن يصل الإنسانُ للسلطة باسم الدين، واستدلَّ على ذلك بأن الخلافة الإسلامية قامت على ذلك.

ولي مع هذا الرأي وقفات:

أولها: الإسلام السياسي مصطلحٌ يحتاج إلى تحرير، وذلك بالنظر إلى الواقع الذي نشأَ فيه ذلك المصطلح، فمن المعلوم أنه نشأَ في العصر الحديث بعد سقوط الدولة العثمانية تقريبًا، فلم يكن ذلك المصطلح موجودًا في كتب التراث، ويقصد به صانعوه: الجماعات والحركات الإسلامية التي اتخذت من الدين مطيةً للوصول للسلطة والحكم «الإخوان- تيار السرورية – حزب الله – حزب الدعوة الشيعي»، فقد قررت تلك الجماعات في أدبياتها الحركية أن فهمها وتصورها للإسلام هو الإسلامُ نفسُه، ثم رتبت على ذلك بأن جعلت من طاقة الدين الفاعلة برنامج حكمٍ وسلطة، علمًا أن فهمها للدين مجرد فهمٍ بشريٍ عاطفيٍ واستعطافيٍ لزيادة الأتباع، وليس تشريعًا إلهيًا معصومًا منزَّلًا، فلقد خلطَ «الحارثي» بين الإسلام نفسِه الذي يمثِّلُه النصُّ الشرعي «قرآنٌ وأحاديث صحيحة»، وبين مصطلح الإسلام السياسي القائم على صناعةٍ بشريةٍ ليست معصومةً تنشدُ البحثَ عن السلطة بحجة تطبيق الشريعة.

الوقفة الثانية: ادَّعى «الحارثي» بوجود مسيحية سياسية في أوربا المتحضرة على غرار أحزاب الإسلام السياسي في البلدان العربية، مستشهدًا بالحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، وهذا تخليطٌ غريب، فالاسم لا يدلُّ على المعنى المقصود، فالحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا يتخذ من الديانة المسيحية كمرجعية اجتماعية قيَمية وأخلاقية فقط، وليس له أي علاقة بالعملية السياسية، ويخضع للنظام العلماني للدولة، ناهيك عن أن الدستور يمنع من إقامة أي أحزاب سياسية دينية أو مذهبية أو عرقية، فهو مختلفٌ تمامًا عن جماعات الإسلام السياسي في البلاد العربية التي عرفت بتدخلاتها المختلفة في سياسات الدول العربية إن في الصعيد الخارجي أم الداخلي.

الوقفة الثالثة: ألم يتأمل «الحارثي» ماذا صنعت أحزاب الإسلام السياسي في الدول العربية والإسلامية وهو الذي يدَّعي أن لا مشكلةَ في وجودها؟ ليته تذكَّرَ «حزب الله» اللبناني وجيشَه العسكري وعلاقاته الخارجية والتي تحوَّلَ بسببها إلى دولةٍ داخل دولة، بل أصبح مهددًا وذريعةً للتدخلات الخارجية الإيرانية والإسرائيلية، وليته تذكَّرَ جماعة الحوثي الإسلاموية الزيدية في اليمن التي استقوَتْ وتطوَّرَتْ ثم انقلبت على الدولة اليمنية، وكانت النتيجة أن تحوَّلَ اليمنُ السعيدُ إلى معاركَ أهلية، وليته تأملَ في أحزاب الإسلام السياسي في العراق، ثم نشوءُ الحشد الشعبي الديني.

وليته ينظر بعين الدين والضمير إلى الصومال الذي تحوَّلَ إلى ثكنات عسكرية بعد انتشار الجماعات الإسلاموية المتمثلة بدايةً باتحاد المحاكم الإسلامية، وفي أفغانستان التي تعيش الصراعات والاقتتال بين فصائل جماعات الإسلام السياسي، وفي السودان الذي وصل فيه الإخوان المسلمون إلى الحكم عبر انقلاب البشير على حكومةٍ منتخبةٍ، وكان لسوء سياستهم التي ربطوها بفهمهم للإسلام أن أدَّى ذلك إلى تمزق السودان عبر الحروب الأهلية ثم انفصال الجنوب، ناهيك عن المشهد المصري المثير الذي نجَّاه الله –سبحانه- من قبضة جماعة الإخوان المسلمين وإلا لرأيناه أنموذجًا آخرَ من نماذج الدمار التي حلَّت في البلدان العربية والإسلامية.

أما في الخليج فقد تصدَّت السعودية والإمارات لمشروعات حركات الإسلام السياسي الذي يقوده الإخوان وتيار السرورية وإيران.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق