برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
فضاءات

المجتمعات العربية وحتميّة التغيير.. حرب الطواحين

لا تتصور بأنك حين تلتقيني بعد مدة ستجدني كما تركتني عليه تماماً فأنا كائن بشري يتغيّر كلما تغيرت تجاربه وتراكمت معارفه وتطورت رؤاه للحياة، ولولا هذا التغير الإجباري الذي نمارسه أنا وأنت وغيرنا من البشر بشكل لا إرادي لما تغيرت البشرية للأفضل ولا تطورت ولا تحضّرت ولا اخترعت كل هذه الأشياء المدهشة التي تحيط بنا.

لولا فطرة التغيير التي زرعها الله في روح الإنسان وفي طبعه وفي فطرته لما تغيرت طرائق معيشة البشر وأديانهم والأدوات التي يعيشون من خلالها عبر تاريخهم، ولن تجد أنهم تجاوزوا حياتهم البدائية الى هذه الحالة المتقدمة من المعيشة ولا تطوروا بهذا الشكل المتدرج عبر حقبات التاريخ حتى وصولوا إلى معارف وعلوم وتقنيات كما هي حالهم في هذا العصر الذي نعيشه أنا وأنت الآن.

لذلك فإن المجتمعات المتقدمة معرفياً وإدراكاً منها مدركة بحتمية التغيير واستحالة ايقافه أو الحد منه فإنها تقوم بعمل دراسات ومسوحات استباقية لدراسته ومحاولة التحكم فيه قدر الإمكان لتحوّله من تغيّر اجباري إلى تغيَر مسيطر عليه يصب في اتجاهات خطط التنمية المجتمعية المستقبلية، في حين أن المجتمعات المتأخرة معرفياً ومجتمعات الوطن العربي على رأسها، لا تستوعب التغيير ولا ترغب به وتتعاطى معه وكأنه “بعبع” يأتي على حين غرّة، ودائماً ما تضع العصا في عجلته ظناً منها بأنها ستوقفه مع أن التاريخ والواقع يقولان عكس ذلك، هذا التعاطي الغير سوي يجعل التغيير يحدث فيها من الخارج وبشكل اجباري غير مخطط له ولا توجد استعدادات لمواجهته ،مما يخلق جيلاً تائهاً ومؤسسات مجتمعية متخبطة.

لست أدري متى تتعايش مجتمعاتنا مع حقيقة أن التغيير المجتمعي أمر حتمي لا مفر منه، يجب أن نتقبله كواقع معيشي وألا نتعاطى معه بكل هذا الكم من الاستهجان والرؤى السلبية، فهو غريزة خٌلقنا عليها لتكون أهم وسائل تجديد الحياة وإعادة شبابها على المستوى الفردي والمجتمعي متى ما استوعبنا حقيقة هذا التغيير وحاولنا السيطرة عليه بدلا من أن يسيطر هو علينا نحن الذين نعيش معه في حرب وهمية متخيلة هي أقرب ما تكون إلى حرب الطواحين.

رأي : تركي رويّع

t.alruwaili@saudiopinion.org

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق