برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
عناقيد العنب

النسوية.. بين نون النسوة وتاء التأنيث

في البدايات نميل للتعريفات، رغم ميل بعض الظواهر والحركات إلى تخصيص تعريفات وأهداف لتبرع في الخروج عليها والهروب من التقيد بها، الأمر الذي أدى إلى نشوء حركات مضادة ومتطرفة أيضًا لم تكن ليحفل بها أحد أو يكن لها ذكر لولا ظهور الظاهرة الأصلية وزعمها أنها تقود والبقية أتباع.

وفي تعريف تاء التأنيث، تقف القاعدة النحوية موقفًا واضحًا من الأسماء التي لا تضم تاء التأنيث، ومع ذلك نجد في اللغة حاملًا وفاطمًا ونائبًا كأن الأصل هو التذكير، أو ربما مبدأ الحياد اللغوي «يونيسكس» يبدو صالحًا في اللغة ومرضيًا لجميع الأطراف، أما نون النسوة فقد علمونا خفية أنها جاءت لتنافس/ لتقابل جمع المذكر السالم وجنب التكسير جنبًا إلى جنب جمع المؤنث السالم.

تبزغ أسئلة جريئة إجاباتها صادمة شغلت وتشغل الباحثين منذ أزمان، يعتريني منها في هذا السياق من الذي حرّض على إضافة تاء التأنيث للأسماء؟ هل كان ذلك من قبيل التميز أم التمييز؟ من تراه ظهر أولا نون النسوة أم تاء التأنيث؟ وهل كان ذلك جراء تعنت ذكوري مبكر تزامن وعهود التعنت الكنسي وانتقل إلينا في قوالب لغوية – أولًا – في مرحلة ضعف؟ هل كان الإرث العربي والإسلامي خالصًا لا تشوبه صور ذكورية متفردة بالسيادة قبل الكنيسة ولاحقًا المسجد؟.

في إصدار جديد للكاتبة والباحثة عائشة الحشر بعنوان «أنوثة السموات والأرض» تستعرض تاريخ الانقلاب العظيم على المرأة واللغة، وتتناول نظريات تأنيث اللغة وكيف وصلت – ووصلنا- إلى ما صارت – صرنا- إليه، وهي تعارض -بلا شك- سيبويه النحوي الكبير في زعمه أن التذكير هو الأصل وما التأنيث إلا فرع منه، وألحظ من خلال ما استعرضته أن العلاقة وثيقة بين تحول اللغة إلى الذكورية وبين تراجع أنوثة الحياة وتردي أوضاع النساء في الدول الفقيرة والمجتمعات غير المتعلمة وبعض المتعلمة، وسأتولى الكتاب لاحقًا بالتمحيص والتحليل ومن ثم الكتابة عنه.

لا تنفك النسْوية الحديثة مرتبطة بمعطيات ثقافية مجتمعية بحتة قد لا تدرك إحدانا إذا كانت في حالة انسياق لها أم في مسعى للتخلص منها، ونظرًا لحجم المتغيرات العصرية التي يمر بها العالم بنوعيه، وينعكس بشكل مباشر على المرأة لتكون مرآته وزعيمته أحيانًا، يصبح المفهوم القديم فضفاضًا يتسع للإضافات ويتحمل التجديد، بل ويحتاج للغربلة والتنقيح، ومن هنا يزداد عندي اليقين بصعوبة تمثيل حركة واحدة للنساء باختلاف مشاربهن، فبين الجانبين المتطرفين من النسوية والأنوثة – التي لا نعرف متى صارت ضدها – تحتار الواحدة منا كيف تقدم نفسها ضمن رؤية استقلالية قوية من جهة ومرنة ومتقبلة للآخر في الوقت نفسه، وفي ظل انعدام الوعي بهذه التشابكات النفسية ووثيقة الصلة ببنيوية الشخصية، يحتار الآخر كيف يتعامل مع أنثى مثقفة أو على الأقل مدركة لمساحاتها ومستوياتها من الحياة التي تستحقها، تتسبب هذه الحيرة في الكثير من التعطيل والإساءة والاضطهاد بشكل مغاير عن الاضطهاد الأسري المألوف، يدّعي البعض أن الانصياع للنسوية أو أحد مفاهيمها يبدأ في الشكل، بدءًا من ارتداء أحذية رجالية إلى حلاقة الشعر رفضًا لكل شكل أنثوي يعكس صور الضعف النمطية المتمثلة في فستان سعاد حسني المنفوش أو تهدج صوت فاتن حمامة الرقيق أو نظرات كاثرين دونوف المسالمة، يفسَّر الشكل الأنثوي على أنه استجداء لمعروف ودوران مستمر منهك في دائرة إرضاء الرجل- السيد، وبالتالي فإن النسوية في أحد مفاهيمها قوّضت الأنوثة واعتبرت مظاهرها إحالات لعصر الجواري ومطالبات بإعادته وفق ضوابط معينة! في كثير من المواقف شبه اليومية أتخذ موقفًا حازمًا من العضل ضد النساء، في الوقت التي لا تجدني كثيرات ممثلة مخلصة للنسوية! وبذلك أكون قد طُردت شخصيًا من الجنتين: الأنوثة المغلوبة على أمرها المحرضة على تشجيع الرجل ليزداد طغيانًا، والنسوية المؤيدة للحريات الشخصية! في رأيي، ولو استطعنا بمنهجية التفكير المنطقي في تعددية المفاهيم حول النسوية، تخليصها من صفة الشماعة التي قبلتها من باب ضمان حرية التعبير.

إذ عُلّقت عليها العديد من الانحرافات الجنسية والفكرية من قبل النساء أنفسهن قبل الرجال، وخالطت العديد من السلوكيات غير التقليدية والشاذة دماء وقلب الحركة – لو اتفقنا افتراضيًا أن النسوية لا تزال تمتلك سمات الحركة بعناصر محددة- فإننا قد نتوصل لصيغة علمية تجمع الأضداد في تآلف.. ولن أقول وسطية – لأن ليس بالأمر وسطية هنا، بل هي سمات الحركة الجديدة تقف بحدة متى شاءت وتميل بلين متى شاءت.

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق