برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
عناقيد العنب

النسوية.. أسنان اللبن

قد تفصح الرواية أو القصة في خطابها الداخلي عن نزعة النسوية على نحوٍ معقد، في حين تتراوح النزعتان الأنثوية والنسوية في النصوص الشعرية على نحو أكثر تباينًا ومباشرة، فبنظرة على نص الشاعرة فوزية أبو خالد «مخالعة»، يتضح الهم النسوي بجلاء:

خلعتْ أسنانَ اللَّبن وتمضمضتْ بالحبرِ/ خالعتْ طاعاتٍ طاعنةً في العمرِ/ شبَّتْ عن الطَّوقِ/ فأشعلتْ حريقًا صغيرًا بالكاد يتَّسع لها وحدَها..

«أسنان اللبن»، هي ثقافتنا الأولى المكتسبة من تقاليد المجتمع، و«الحِبر» هو جسر التحول إلى النقيض، وبروز ذات ثقافية جديد، لذا فهو نص نسوي بامتياز، ولا ينفي وجود نصوص أنثوية أخرى تخرج نوازعها الأنثوية وتطلعاتها كامرأة، وامرأة ليست رهينة المحابس ولا الأقفاص، ولعل نص الشاعرة هدى المبارك والتي تصرخ بفزع الشابة المراهقة عندما تسارع إلى والدتها طلبًا للمساعدة في فهم أزمة حالة العشق يعدّ أنموذجًا:

أماه/ حلَّ َ بي ما حَلَّ بِامْرَأةِ العزيز/ أأقطعُ يديَّ؟! هائمة في المدينةُ؟/ وليراني الكفيفُ/ وليسمعني الأطرش..

التمرد على البطريركية في الغرب يقابلها التمرد على الوصاية بكل أشكالها في العالم العربي، التزمت الكهنوتي قبل عصر الحضارة يقابله في الشبه والشكل والتهديدات والتبعات والنتائج سلطة المسجد كمنبر صحوي اعتلاه شيوخ الصحوة ذات يوم لينهالوا بالدعاء بالموت والمرض على أصحاب الفكر الحر، نعم أتفق مع الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي أن البطريركية تدنو في خصائصها من الأبوية، المدير أب، الزميل أب، السائق أب، السائق الآخر في الشارع أب، والحارس ينظر شزرا لسيارة تقودها امرأة عائدة متأخرة لبيتها، وبدون مسوّغات شرعية مختلقة لا يجد الرجل «الأب» نفسه قادرًا على بسط فروض السلطة، فيلجأ للدين والنصح باسم الدين والاعتداء على الحريات باسم الدين، ومع انتحال صفة المشرّع والحاكم والسجان لم تتوقف النسوية عن استنكار الأبوية فقط بل وحتى الأمومية الخاضعة والموالية لوصايا الأب، وكم من أمهات دفعن أثمانًا باهظة نظير سكوتهن، السكوت الذي كان وسيلة الاعتراض الوحيدة أمام إملاءات أب ظالم مستق أساليبه من قوانين من سبقوه.

وكالجمعيات والتجمعات المؤدّلِجة، احتاجت النساء لشروط ومعالم للانضمام إلى الحركة، مع فارق وحيد إن النُسوية ليس لها موقع ثابت، وأكاد أقول موقف ثابت من مؤيديها، لستُ هنا بمكان القاضية أو الحاكمة، لكني أستطيع الخلوص إلى أن المرأة ليست بحاجة لاستيفاء ثلة من الشكليات كي تنضم للنسويات، هي بحاجة للخروج على أطر المؤسسة النسوية المتهالكة، التي بُحّ صوتها بنغمات غير موحدة، إذا كانت تبحث عن الحرية الحقيقية فهي ستلزم نفسها في الأساس بقوانين الإنسانية وستعيد تشكيل معنى الأنوثة بصلصال العنفوان.

ربما لسنا بحاجة تشكيل جديد في الوقت الراهن، وربما استدعت تقلبات البشرية في وقت لاحق اندثار حركة وتفكيك أخرى، ثم تشكيل انبثاق مختلف بالكلية عن سابقه، أو سوابقه، هناك من يقزم الوقوف بوجه أي تعدٍ على الكرامة، ويعتبر الحساسية مرضًا، مع أنها في نظري صفة إيجابية يجب أن يتحلى بها الرجل والمرأة، وهناك من يرى الالتزام بمبادئ معينة تشبه بالرجل أو هو نوع من التنطع الأخلاقي، كل ما أرجوه بعدد ما أثير هذا الموضوع وعدد ما صفعت الجدران أجنحة الأحلام، أن نغادر كهوف الشعارات والنظريات «رغم أن النظريات يراد بها أن تكون بوابة الفكر المتجدد» وننظر بعين الحكمة للمعاناة الإنسانية وتفاعل الوجود النسوي مع معاناة بعضهن البعض، نشرع المجالات أمام إسداء المعروف وأعمال الخير للطفولة والمعدَمين والمعدمات المنكوبين في أرجاء العالم.

هذا فقط ما سيضمن للنسوية البقاء وسيمنح صك المصداقية للنساء الباحثات عن تغيير، وسيُسهم في إعادة صياغة تعريف النسوية ضمن معطيات أكثر شمولية، مستقبل النسوية يجب أن ينفتح على آفاق سامية من المساواة وإنصاف النساء لبعضهن البعض، مستقبل النسوية يجب أن يساعد المتضررات من العوز والفاقة والعائلة التي تبيع بناتها مقابل الغذاء ومستوى اقتصادي مقبول.

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق