برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سَواري

الخوف من المجهول

إنه خوف يسكن الكثيرين ويقضُّ مضاجعهم ويسافر معهم إلى كلِّ بُقعةٍ يرتادونها دون أن يروا أثرهُ على أرض الواقع، وهنا العذاب، هو الذي يُشبه في تفاصيلهِ الخوف من الغروب الذي يقذف بصاحبه لاقتفاء الشمس أثناء غروبها، لكنه في النهاية لا يعرفُ أبدًا متى انتهى النهار ووَلَجَ الليل.

إنه الخوف من المجهول، هذا الخوف الذي يُزجي به ليرى الأشياء في أشكالٍ غير أشكالها وألوانٍ غير ألوانها، وفي النهاية، يُطلِقُ أحكامًا باهتةً وقرارات غير صائبة.

هنا يتسلَّلُ موضوع قيادة المرأة السعودية للسيارة الذي كان يعتبرهُ الكثير من المواطنين السعوديين في وقتٍ خلا أمرًا مستحيلًا، بل وكان بعضهم يُقسِمونَ أَيمانًا مُغلَّظة على أنه لم ولن يتمّ، ويتراهنون على ذلك رهاناتٍ ضاريةٍ، وقضوا ردحًا طويلًا من الزمن في مناقشته، بل وتعدى الأمر ساحات النقاش وتحول إلى حلبات الصراع بين تيّاراتٍ فكريةٍ متباينةٍ.

وقد يكون أحد أهمّ أسباب رفض القيادة النسائية أنها كانت موضوعًا هُلاميًا للكثير من أفراد المجتمع، لا معالم بلجاء له ولا هوية جليَّة، ولذلك ارتبط بتكهُّناتٍ وافتراضاتٍ واهيةٍ ساقتْ أصحابها لمواقفهم المُتعنِّتة، فهناك فئةٌ كبيرةٌ من المجتمع تبنَّتْ رفض الفكرة قبل حتى أن تتحوَّل لقرارٍ رسميّ يُطبَّقُ على أرض الواقع، وكانوا يُرجِئون رفضهم لها لخوفهم منها، وخوفهم منها كان مُرتبطًا – حسب رأيهم – بأسبابٍ أمنيةٍ كالتحرشات والمضايقات والمطاردات من الشباب أو ما قد يتعدَّاها، وكذلك أسباب اجتماعية مُرتبطة بالقيَمِ والأعراف.

وما عزَّز هذا الرفض هو بعض الأصوات المُتطرِّفة التي كانت تصدر من التيَّار الديني المُتشدِّد، وتحاربُ قيادة المرأة من جهةٍ، وتُحرِّض أفراد المجتمع من جهةٍ أخرى، وكان القاسم المشترك بين المحاربة والتحريض هو إطلاق آراء وفتاوى فقهية، كان من دورها تحشيد الناس ضد فكرة القيادة، وهذا ما دعا بعض الأصوات الشاذة والمتطرفة للتمادي في مرحلةٍ سابقةٍ والتهديد بالويلِ والثبورِ لكل من يرونها تقود سيارة في أي مكانٍ عامٍ.

اليوم، وبعد مضيّ قرابة السنة والنصف على تطبيق قرار قيادة المرأة في السعودية، حقِّ لنا أن نقول إنه كان قرارًا حكيمًا وصائبًا، ومبنيًّا على دراسةٍ عميقةٍ واستعدادٍ كبيرٍ من حكومتنا الرشيدة -أيَّدها الله- لتنال المرأة حقًا مشروعًا لها، وفق أنظمة حازمة وقوانين صارمة تكفَل لها الحماية والرعاية.

وكذلك حقَّ لنا أن نقول إن تجربتنا في هذا الشأن كانت ناجحةً بكل المقاييس، لأن النساء السعوديات أردنها أن تكون كذلك، بدءًا من تقاطرهن على مدارس تعليم القيادة – سواءً في الدول المجاورة أو داخل السعودية – للحصول على رخصة قيادة نظامية، ومرورًا بالتزامهنَّ بقواعد السلامة المرورية، وانتهاءً بقيامهنَّ – من خلال القيادة – بالعديد من الأدوار الاجتماعية والعملية الهامَّة، فقد تبوَّأت المرأة مساحةً شاسعةً على الخارطة الاجتماعية وحقَّقتْ فعليًا مفهوم الشراكة مع الرجل وأمستْ رافدًا متينًا له، فها هي تُقِلَّ أباها الطاعن في السنِّ إلى المستشفى، وتوصِلُ أطفالها للمدرسة صباحًا وتعود لأخذهم ظُهرًا، ويركنُ زوجها إلى جوارها عندما يكون مُنهكًا وتقود به داخل المدينة وحتى على الطرقات السريعة.

رائد البغلي

كاتب و مدوّن ، حاصل على البكالوريوس في ادارة الأعمال ، و دبلوم في المحاسبة التجارية. له العديد من الكتابات المنشورة في الصحف الرسمية السعودية و الخليجية و مواقع التواصل الإجتماعي ، و أبرزها : صحيفة الرياضي ، و الشرق ، و اليوم ، و الراي الكويتية ، و الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق