برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

الحريم.. وحرمُ فلان بن فلان

تميزت لغةُ العرب بالفصاحة والدقة في اختيار الألفاظ والتراكيب، لذلك صارت من أفصح اللغات وأجملِها، وقد نزلَ القرآنُ الحكيمُ بها، وهو الذي أعجزَ العربَ في لغته وأسلوبه ومفرداته، ومن الأوصاف الدقيقة عند العرب تسمية أنثى الإنسان بـ«المرأة» والمقصود بها أنثى الإنسان البالغة، على غرار «امرؤ» وهو ذكَرُ الإنسان البالغ، وتسمَّى كذلك بالفتاة إشارةً إلى الأنثى الشابة أو التي لم تتزوج، وتسمَّى – أيضًا – أنثى ومعناه الحيوان القابل للحمل والإلقاح.

ويلاحظ الدقة عند العرب في المسميات، ويُطلقُ على المجموع من إناث الإنسان اسم «النساء» و«النسوة»، وله جذورٌ ومعانٍ عميقة في لغة العرب، فهو مأخوذٌ – كما في لسان العرب – من التأخير، من «نَسَأَ»، يقال: نَسَأتِ المرأةُ، إذا تأخَّرَ حيضُها عن وقته وبدأَ حملُها، فهي نسءٌ ونسيءٌ، وقيل بمعنى الزيادة من «نسَأتُ اللَّبن» إذا زيدَ فيه الماء لكي يكثر، والحمل زيادة، فحملُ المرأة زيادة، ومع أن لفظ «الحُرْمة» و«الحريم» يُراد به مما حرُمَ مسُّه، إلا أن العربَ قبل الإسلام وبعده لم يستعملوه في اسم النساء، وإنما استعملوه بقلةٍ في أغراضٍ أخرى مثل إطلاقهم للحريم بمعنى ثوب المحرم للحج، قال الأزهري: ومنه قول الشاعر «لقى بين أيدي الطائفين حريمُ»، فقد كانت العرب في الجاهلية إذا حجَّت البيتَ تخلعُ ثيابَها التي عليها إذا دخلوا الحرم، ولم يلبسوها ما داموا في الحرم.

وحاصل الأمر: أن لفظ «الحريم» لم يُستعمل في لغة العرب بمعنى النساء، ولم يُستعمل كذلك لفظ «الحُرْمة» بمعنى المرأة، وكذلك يقال عن النصوص الشرعية، والتي تعتبر امتدادًا للغة العرب، فلم يرد في نصوص القرآن والسنة النبوية لفظ «الحريم» بمعنى النساء، ولفظ «الحُرْمة» بمعنى المرأة، ولم يرد كذلك ما يقوله الناس اليوم «حرمُ فلان بن فلان»، وكل ذلك لم يرد في لسان العرب، ولم يرد في نصوص القرآن والسنة، وقد يعترض معترضٌ بحديث «لا تسافرُ المرأةُ إلا مع ذي محرم»، وهو اعتراضٌ خاطئ، لأن الوصف في قوله «ذي محرم» للرجل وليس للمرأة.

والغريب في هذا الموضوع انتشار لفظ «الحريم» ولفظ «حرم فلان بن فلان» بشكلٍ كبيرٍ جدًا، فالكثير من بطاقات الزواج وإعلانات التعازي تجد فيها من يكتب «حرم فلان بن فلان»، علمًا أن الأولى أن يُكتبَ «زوج فلان بن فلان» فهي لغةٌ مسموعةٌ ومعروفةٌ ومشهورةٌ عند العرب، كما أنها لغةٌ سائدةٌ في نصوص القرآن والسنة؛ كما في قوله تعالى }اسكن أنت وزوجك الجنة}، وكذلك مشهورةٌ برواية الحديث النبوي فيقال مثلًا «عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله»، والسؤال: كيف انتشرت كلمات «الحريم والحُرْمة وحرم فلان بن فلان» مع أنها لم ترد في النصوص ولا في لغة العرب؟ وباعتقادي أن شهرة مثل هذه الكلمات في لغتنا العامة بدلًا من الكلمات الشهيرة «زوج فلان بن فلان، النساء، المرأة» إنما هو امتدادٌ لوصف المرأة في تراثنا بأنها عورة، ففي ذلك تحقيرٌ وتصغيرٌ وإلغاءٌ لها ولرأيها وكيانها، وأنها مجرد عورة، بدلالة انتشار هذا المصطلح بين عامة الناس على حساب أوصافها الأصلية في القرآن والسنة ولسان العرب.

أخيرًا ما أجمل لغة العرب وما أجمل نصوص الشرع الحنيف الذي وصف المرأةَ وصفًا كبيرًا وشهيرًا وعظيمًا بأنها امرأة مقابل امرؤ في حق الرجال، وتمَّ التعبير عن مجموع الإناث بأنهنَّ نساء، فتمَّ وصف المرأة في لغة العرب والنصوص الشرعية بأوصافها الصحيحة والتي لا تنمُّ عن الضيق بها، أو أنها مجردُ تابعٍ أو عورةٌ من العورات.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق