برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
عناقيد العنب

حتى موته رسالة!

عندما تسوق الأقدار ظروفك قد تسوق لك أيضًا معرفة مكانتك بين البشر، قيل نقل لمكة بدلًا من مسقط رأسه الظهران لأنه محظوظ، في الواقع هو استحقاق ومحبة من رب العالمين، وكم يبني الإنسان الخطط ويضع الطموحات التي هي أدنى مما قدر له، هؤلاء الذين يبلغون مراتب عليا هم من يلبي الله من خلالهم حوائج الناس، لذلك يختار لهم مقام مغادرتهم.

شاهدت نجيب الزامل في أكثر من مناسبة وفي أكثر من موقف، وأدهشني كيف يعير الناس مسمعه بصدق، وينزلهم منازلهم حسب خلقه الرفيع وليس حسب درجاتهم، يتحلَّق الجميع حوله بمجرد دخوله أي مكان ولو أمهلك الحظ دقيقتين برفقته، فحتما ستخرج منها بحكمة أو توجيه أو مزحة تعزز لك أمام الآخرين وأمام نفسك.

تنبسط خلف الشخصية خفيفة الظل شخصية عميقة حقيقية جدًا، تأخذ العلوم مأخذ الجد وكثيرون هم أعضاء عالم القراءة الكبار، ممن يحتسون القهوة ليقرؤوا، ويقرؤون ليشعروا بأفضليتهم فوق الناس، لكن «نجيب» لم يتاجر بالمعرفة، ولم يتكسب منها، وإن كان لا غبار على ذلك، سوى أن للبذل عناوين غير نيل الماديات والصيت.

جمعتني به -رحمه الله- نقاشات طويلة لنختار قراءات لكتب من مكتبته قابلة للنشر في مجلة القافلة حين كنت أعمل بها، لم يكن يلجمني بحر معرفته فحسب، بل استنتاجاته مما قرأ واستنباطاته الثمينة للمعاني وراء الأفكار، ليست قراءة ليزداد سمنة عقلية وإنما ليزداد رهافة وإنسانية، وكان يدهشني حقًا كيف يلخص كل الفكرة ويقدمها ببساطة في ندوة، كمن يأخذك في نزهة ويترك لك الاختيار إزاء مائدة زاهية بطول لا ترى نهايته.

ثم تأت الشخصية الثالثة خلف هذا العارف الجاد، وهي شخصية تتألم كثيرًا ولا ترى بأسًا في الإخلاص للألم لإيمانه، إنه المعلم الأول بعد الحرمان.

نجيب الزامل جمع بين الإحسان والبذل، بين الألم والاستبشار به، بين الحضور المهيب والتواري عن الأنظار، ولعمري كم هو تحدٍ عسير ومستحيل مقاومة نهم الشهرة ثم التربع في القلوب.

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق