برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
ستــة ياردة

مقاتل العادة

«دع هدير مئة مدفع يذكرك ثلاث مرات في اليوم أن تقاوم قوة العادة، احظ بصديق يذكرك كلما رآك، اتخذ زوجة تذكرك بحب، ولكن انتبه ألا يتحول كل ذلك أيضًا إلى عادة»، «كيركغارد» من كتاب القتال ضد العادة.

إبان انشغال الميكانيكي ستيب مودريتش بتجاربه على مقاربة حركة الهواء والغازات في معامل وفسحات مدينة زادار الكرواتية، لم يتعفف قلبه أن يخفق للفاتنة الناسجة عاملة النسيج جاسمينكا مودريتش، بمطلع ثمانينيات الصراعات الحمراء وتتالي الانفصالات الاشتراكية الشرق أوروبية، إلى احتدام حرب 1991 التي قتلت الكثير مع والد ستيب مودريتش، جد الراعي الضئيل لوكا، ابن الستة أعوام.

هاجر الصبي مع عائلته، سأمًا وسقمًا، كلاجئين لمنطقة آمنة على كتف المدينة القصي، دون أن يحملوا رماد الجد في زجاجة تذكارية، نظرًا لضيق الحيلة والوقت ولهيب الرعب المستشري، لم تكن العائلة تكسب سوى الفتات ولم يكن الصبي لوركا يقتات سوى على أضغاث الحلم، غير أنه كان يداوم على مدرسة قد انتسب إليها ويتدرب في أكاديمية لكرة القدم.

لم يختره أي فريق محلي، حينها، لأنه كان نحيلًا ضئيلًا لا يقدر على الاشتباكات والافتكاكات، عوضًا عن الالتحامات الحاسمة، ضآلته كانت عادة، وقد قرر الصبي لوكا مودريتش أن يكون مقاتلًا لهذه العادة، كمحقق لوصية «كيركغارد»، القتال ضد العادة، لم يكن إيمان توميسلاف باسيك – رئيس أكاديمية شباب نادي زادار – بموهبة لوكا مودريتش محض صدفة، بل قتال «مودريتش» ضد عادة جسده الضئيل كانت مفصل الدهشة، تمامًا كما لم يحصد لقب أفضل لاعب كرة قدم في العالم في سبتمبر 2018 كمفاجأة عابرة، بل لقالته اعتياد المهارة وتنويع أساليب مداعبة الكرة وإعادة تكرير التمريرات بشكل يخرق تلك العادة كل مرة.

عندما كنا صغارًا نلعب الكرة، ونزعم أحيانًا أننا خسرنا لأن «الهوا كان ضدنا»، لم يعرف لوكا مودريتش أبدًا هذا المصطلح، كونه ورث جينيًا ومعرفيًا قدرة تهذيب الهواء والغازات من المعامل الميكانيكية لوالده ستيب مودريتش، ولم يفشل يومًا في نسج تمريراته ووضعاته الحاسمة المفاجئة، برقتها وتنوع ألوانها، كونه ورث مهارات النسيج وغزله وألوانه من جينات ومعارف الفاتنة الناسجة، والدته جاسمينكا مودريتش.

ولم يخنع يومًا، كونه عاش حرب العادة واعتاد فقدان رماد جسد جده – مودريتش الأكبر – الذي تبخر في الحرب الانفصالية الحمراء أمام عجز تجارب والده «ستيب» عن مقاربة حركة الهواء بالغاز لحفظ شيء من رماد أعضاء الجد مودريتش في باحة قاع مدينة زادار!.

سعيد الأحمد

صاحب رواية "رباط صليبي"، و "عسس"، كما له عدد من النصوص في كتب مشتركة مع كتاب آخرين، نشر العديد من المقالات النقدية في الصحافة المحلية والعربية، عمل كمحرر ثقافي وترأس جماعة السرد في نادي الرياض الأدبي، لديه العديد من الكتب قيد النشر، كما أنه لاعب كرة سابق ومهتم ومحلل رياضي له العديد من المشاركات الصحفية والتلفزيونية في مجال الرياضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق