برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

شيخوخة قناة الجزيرة

تعيش قناة الجزيرة شيخوخةً مبكرةً قياسًا بعمرها الزمني القصير، فالطرح الفكري والتحليل السياسي للقناة يترنح ويتراجع قياسًا بمقدراتها وخبرتها في المجال الإعلامي، بل إنه لا يواكب المرحلة الانتقالية التي تعيشها المنطقة العربية.

وسبب تلك الشيخوخة المبكرة أن قناة الجزيرة لم تجدد في كوادرها التي قد تكلست عقولُهم وفق ماضوية شعاراتية رجعية لا تصلح لشباب وشابات اليوم، بدليل تراجع شعبية القناة المستمر لدى الشعب العربي عامة، وعلى مستوى الشباب خاصة، مما أدى إلى انحصار متابعتها على بعض كبار السن الرافضين لكل تغيير، إضافةً لمتابعة خلايا الجماعات المتطرفة النائمة – من إخوان وسرورية ودواعش وخمينية – التي تنتظر فرصتها في المنطقة العربية لتبدأ نشاطاتها من جديد.

والتساؤل: لماذا وصلت «الجزيرة» لهذا المنعطف على أنها من أوائل القنوات الفضائية تأسيسًا؟ والذي يبدو أن «الجزيرة» لم تستوعب التغييرَ الذي طرأَ على الكثير من الشباب العربي، والذي بدأ يكتشف زيفَ حركات الإسلام السياسي، وأن تلك الحركات هي أساس خراب الديمقراطية والعملية السياسية في المنطقة العربية، لم تستوعب «الجزيرة» – حتى الآن – الرفضَ الشعبي الكبير للطائفية في المنطقة العربية، لم تدرك – أيضًا – التقارب الكبير بين الحكومات الشابة المتجددة القادرة على التفاعل مع شباب اليوم والمتمثل في دولتين مهمتين تلعبان دورًا نهضويًا في المنطقة العربية، وأعني بهما: السعودية والإمارات، وإلى هذه اللحظة و«الجزيرة» تردد شعارات: الديمقراطية والوحدة العربية والإسلامية، بحثًا عن الجماهير، لكنها لم تدرك أن هذه الجماهير قد انتقلت من مرحلة الغوغاء والشعارات إلى مرحلة التفكير الواعي والعمل الحقيقي على الأرض.

فلقد اكتشفت تلك الجماهير أن ترديد شعار الوحدة الإسلامية والعربية لم يستفد منه العربُ والمسلمون ولم يصبح مفيدًا لديننا الحنيف ولعروبتنا، لأنه مجرد شعار ليس له معالم واضحة على الأرض، بل تمَّ استغلالُه من قِبَل المتطرفين والإرهابيين، وتمَّ استغلاله كذلك من قِبَل حكومات لها أجندات تخريبية كحكومات قطر وإيران، لقد عرف الكثير من الشباب أن بديل ذلك هو احترام التعددية الدينية والمذهبية والحريات الفردية الشخصية، كل ذلك قد أهملته «الجزيرة».

والسؤال المطروح كذلك: لماذا ركزت «الجزيرة» على الديمقراطية السياسية وأهملت جانب الحريات الفردية داخل الدول العربية؟ وجواب ذلك: أن أهداف قناة الجزيرة أن تتمكن الجماعات المتطرفة من السلطة في الدول العربية، لذلك رأيناها تدعم جماعة الإخوان في مصر وتونس، مع سكوتها التام عن جرائم عملاء إيران المتطرفين والمتوغلين في حكومة دولة العراق، وفي الوقت نفسه نجد قناة الجزيرة تتجاهل قضايا الحريات الفردية داخل الدول العربية من مثل الحريات الدينية والمذهبية والاجتماعية والثقافية، بل إنها وصلت لمرحلة خطرة جدًا في هذا الجانب، فقد ناصرت الغلاة في المنطقة العربية حتى وصلت لمناصرة الغلاة في الوقوف ضد الترفيه والإصلاحات الاجتماعية في السعودية، فلا مانع لدى «الجزيرة» أن تنتقد الترفيه في السعودية ثم تتحدث عن الديمقراطية السياسية في العالم العربي! ما هذا الهراء؟ أيعقل أن تستهدف «الجزيرة» الترفيه في السعودية والذي هو أبسط حقوق المواطنين السعوديين ثم تروج للديمقراطية السياسية؟ هذا جهلٌ كبير في مفهوم الديمقراطية، فقبل أشهر ألبست قناة الجزيرة المتطرف الإرهابي مصلح العلياني إحرامًا – لخداع الناس بأنه في الحج – وجعلت منه مدونًا يحتسب ضد الترفيه في السعودية.

أين الديمقراطية المزعومة التي تنتهجها قناة الجزيرة؟ وهل من الديمقراطية أن تطالب الجزيرة بمنع الموسيقى في السعودية، ثم تطالب بالديمقراطية السياسية؟ كل ذلك يدل دلالةً واضحةً أن قناة الجزيرة تردد شعار الديمقراطية، دون فهمٍ وإدراكٍ من كوادرها لأعماق هذا المصطلح ومعانيه.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق