برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
رأي أعمق

تربية «جوني»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

طوال الوقت يظل والداه يناديانه وهو يستجيب لهما بلا كلل، ويسألانه إن كان يأكل الحلوى فينفي بهدوء لا يدع مجالًا للشك في خبيئة نفسه ولا سلامة نيته، يحافظ على هدوئه ذلك أثناء تجوله المستمر في المنزل موهمًا والديه أنه في طور استكشاف أمور تجد عليه كما تجد عليه الدنيا كلها أو يجد هو عليها.

«جوني» الواثق من نفسه الصغيرة المتصالح معها لا يعبأ بما قد يمليه عليه ضميره الكبير، فنحن نكبر ولا تكبر معنا ضمائرنا، نحن قد نصغر ضميريًا مع تقدمنا في العمر، لكن يبدو أن «جوني» خرج من نطاق هذه الحقيقة بلا عودة، فهذا الطفل ذو الوجه البريء والنظرة الخانعة، هو نفسه الطفل الذي لم تبدُ عليه علامات الارتباك أبدًا حين كان يمر بجانب والديه مستغلًا انشغال أحدهما أو كلاهما عنه فيستمر باختلاس الحلوى أينما وجدها أثناء بحثه الجوال، ويحرص على ألا يصدر من فمه أي صوت مضغ أو قرمشة -حسب طبيعة الحلوى- بل وتبلغ به الجرأة أن يتحدث ويجيب على والديه متلبسًا بالجرم غير المشهود حين يسألانه بعدما يستشعران بحسهما الأبوي أمرًا في ابنهما الذي ينكر ذلك ثم ينكر أنه يكذب، ينكر بشيء من البراءة مازال متبقيًا ومتمثلًا في أنه يرى تلك الكذبة لا تضر ولا أدري إن كان ذلك براءةً أم مكرًا لكني آثرت «تقديم الطيب» تقديرًا لوالديه الذين لم يعاقباه حتى اليوم بل ومازالا يتساءلان إن كان قد أكل الحلوى وهو المستمر في إنكاره حتى استساغه واستحلى كذبته الصغيرة وطار بها في كل الأرجاء ثم وجد لكذبته تلك جمهورًا ومقلدين ومرددين.

وفي نهاية الأمر اللانهائي لكثرة التكرار، وفي مظهر من مظاهر عدم الاكتراث، يفتح «جوني» فمه بطلب من والده فتظهر بقايا الحلوى، وعدم الاكتراث يتمثل في ضحكة قائلًا «ها ها ها».

لست من المحذرين ولا المعترضين ولا ممن ينادون بالمنع والحظر وما إلى ذلك، «جوني» بأغنيته البسيطة التي تحقق بكل نسخها التي لا نعلم الأصل من بينها ملايين المشاهدات يوميًا، وبتحوله هو ورفاقه الذين يغنون أو يغنَى لهم بنفس النمط إلى المهدئ الأقوى للرضع والصغار، يبقى ظاهرةً تستدعي تفسير سبب نجاحها دونًا عن كل ما يقدم للأطفال مما يحمل رسالةً هادفةً ويتكلف بحثًا وجهدًا أكبر.

ريان قرنبيش

ريان أحمد قرنبيش، متخصص في الأدب الإنجليزي، كاتب رأي في عدد من الصحف، مهتم في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، له مؤلف تحت النشر.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق