برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سَواري

المسمى الوظيفي: فنان تشكيلي

كثيرٌ من الإبداعات يهجرها أصحابها فتندثر، ويعزو المبدعون ذلك إلى أنَّ إبداعاتهم لا تعدو عن كونها مُجرَّد هوايات – مهما تعالتْ وبزغتْ وسطعتْ – وبالتالي لا يستطيع أصحابها الاتِّكاء عليها واحترافها كمِهَن رسمية مُعترَف بها في نظام الدولة للخدمة المدنية.

فنجد المُبدعين مُنشَطرين بين هواياتهم الإبداعية وهويَّاتهم الوظيفية، ومُتشظِّينَ بين ما سيُقدِّمونه وبين ما سيجنونه، كون أنَّ أغلب المُبدعين – وعلى رأسهم الكتَّاب والفنانون – يعملون في حقلٍ ويُبدعون في حقلٍ آخر بعيد كل البُعد عن أعمالهم الرسمية، بل وقد يتعارض مع هذا الإبداع ويعثَّره، فالكثير منهم يحتاجون للترحال الدائم لحضور المناسبات الفنية والثقافية التي تنعقد خارج أوطانهم، لكن وظائفهم الرسمية – في الكثير من الأحيان – تقف حائلًا دون ذلك، ما يضطرُّهم في نهاية المطاف للمفاضلة بين الوظيفة والإبداع، فيجدون أنه لا مناصَ من التضحية بأحدهما، وفي الأغلب تكون التضحية بالموهبة الإبداعية لصالح الوظيفة، ظنًا من صاحبها بأنها الحلقة الأضعف إمَّا لأنها لا تُشكِّل مصدر دخلٍ دائمٍ أو ثابت له يقيه شَظَفَ العَيش، أو لأنها لا تُشعرهُ بـ«الأمان الوظيفي» هذا الهاجس الذي يسكن كل شخص ويؤرقه، أو لأنها لا تحظى بتقديرٍ ورعايةٍ سواء من الجهات الرسمية أو المنظمات الاجتماعية أو حتى من أفراد المجتمع، وكلها عوامل جعَلَتْ الكثير مِنْ المُبدعين يُديرون ظهورهم لإبداعاتهم بعد انحسارها في دواخلهم وشعورهم بأنها لا ولن تؤكلهم وذويهم خبزًا.

وهنا تجدُر الإشارة بأن معاناة الأدباء والمُثقفين ليستْ وليدة الساعة، فقد كانت العرب أيام الجاهلية تصف مَن يفتقر بعد ثراء بقولهم «أصابته حرفة الأدب» في إشارةٍ واضحةٍ إلى أنَّ الأدب ليس سبيلًا للثراء أو حتى التكسُّب.

على صعيد الكتابة الصحفية، قد يكون الكاتب فهد عامر الأحمدي هو أول مَنْ حمل مهنة «كاتب» رسميًا في السعودية بعد محاولاتٍ مُضنية في جريدة الرياض حتى تحقق له ذلك، ولا أعلم هل هناك من يحمل هذه الصفة سواه خلاف كتّاب العدل في المحاكم!.

كل الشواهد تَشي بأنَّ المجتمع في شقيه الرسمي والشعبي استوعب ذهنيًا التواجد الفعلي لكل المِهَن التقليدية سواءً العلمية منها كالمهندس والطبيب، أو غير العلمية كالمُحاسب والمُحامي أو حتى المُتسبِّب وبائع الخضار، لكنه لم يستوعب حتى الآن المِهَن الثقافية والفنية المَحضة كالروائي أو الفنان التشكيلي أو المخرج المسرحي أو الناقد الفني أو العازف الموسيقي أو مصممة الأزياء، وقد يستغرب من وجود وظيفة يقوم بها صاحبها بـ«بيجامته» وهو في غرفة نومه مضطجعًا على تخته كالكتابة الصحفية اليومية مثلًا، واختفاء التصنيف الرسمي للأدباء والفنانين والمفكرين في ديوان الخدمة المدنية لهو دليل ورافد لذلك.

وتنُصُّ «رؤية 2030» على أنَّ الثقافة من مقومات «جودة الحياة» كما تُعَدُّ جزءًا أساسيًا من التحوّل الوطني الطموح الذي تسير عليه بلادنا الغالية، وفي ظل وجود وزارة فتيَّة يرأسها وزير شاب وطَموح كوزارة الثقافة التي أُنشِأت في الثاني من يونيو من عام 2018 م، أعتقد أنه حان الوقت لاستحداث وظائف ثقافية وفنيَّة ينضوي أصحابها تحت مظلاتٍ رسميةٍ ويصطبغون بصبغات احترافية لما يُقدّمونه من إبداعات ثقافية وفنيَّة.

رائد البغلي

كاتب و مدوّن ، حاصل على البكالوريوس في ادارة الأعمال ، و دبلوم في المحاسبة التجارية. له العديد من الكتابات المنشورة في الصحف الرسمية السعودية و الخليجية و مواقع التواصل الإجتماعي ، و أبرزها : صحيفة الرياضي ، و الشرق ، و اليوم ، و الراي الكويتية ، و الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق