برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بين الضفتين

صومعة إلكترونية

كم هو محزن أن تحتل ما أصطلح على تسميتها بـ “الأجهزة الذكية” المساحة الأكبر من أوقاتنا لدرجة أننا نقر بضعفنا أمام فكرة الاستغناء المؤقت عنها ولو لبضع ساعات! لقد أصبحت تلك الأجهزة لعنة تلاحق هذا الجيل الذي فقد لذة التواصل الإنساني في هذا العصر، واستبدلها بالتطبيقات والبرامج التي أوهمته بأنها الحل السحري الذي ألغى المسافات وأزال الحواجز من أمامه .

لقد أصبح من المألوف جداً أن ترى جمعاً من الأصدقاء في الأماكن العامة منهمكين في شاشات هواتفهم، متنقلين من تطبيق إلى آخر دون أن تلحظ أي تواصل إنساني يجمع بينهم، وربما ستعتقد للوهلة الأولى بأنهم فقدوا القدرة على الكلام !

إن أغرب ما في الأمر هو أن هذا النوع من التواصل يجعلك غائباً ذهنياً عن كل الأماكن التي تذهب لها سواءً أكنت في عملك أو في منزلك أو حتى وأنت تقود سيارتك! إذ تقضي أوقاتاً طويلةً في التواصل مع الأهل والأصدقاء والمعارف في الوقت ذاته مما يسبب إرهاقاً ذهنياً يؤدي غالباً إلى شعورك بالإجهاد والتعب، وحينها ستدرك يقيناً بأن تواصلك المستمر معهم عبر البرامج الكتابية بقدر ما قربك منهم أبعدك عن ذاتك، وجعلك أشبه بذرةٍ متناهيةٍ الصغر تدور في فلك الآخرين دون أن يكون لها قيمة حقيقة في هذه الحياة . 

يعتقد الكثير بأن العلاقات الإنسانية في هذا العصر تشهد تطوراً نوعياً لا مثيل له في التاريخ البشري، إذ لم يحدث على مر الأزمان أن يتحاور شخصان تفصل بينهم فوارق زمنية ومكانية هائلة بضغطة زر حول شتى القضايا والاشكالات وهم مستلقين على الأريكة في منازلهم .

والحق أن نطاق التواصل البشري أتسع أضعافاً مضاعفةً عما كان عليه في السابق بفضل الثورة التقنية المذهلة، لكن هذا لا يمنعنا من القول بأنها جعلت السواد الأعظم من الناس يعيش حالة من الانكفاء والانعزال داخل صومعته الإلكترونية متنقلاً من برنامج إلى آخر، باعتبارها الوسيلة المثلى للتواصل في أي وقت وزمان مع من يريدون من الأهل والأصدقاء .

إن أكبر المساوئ التي أفرزتها التقنية الحديثة في حياة الإنسان المعاصر هي أنه لم يعد يستسيغ أن يمارس طبيعته البشرية على أرض الواقع بحيث لم يعد الكثيرين حريصون على الالتقاء والاجتماع في الأماكن العامة، وليس من المبالغة القول بأنهم أصبحوا يفضلون الملتقيات والاجتماعات في عوالهم الافتراضية .

رأي :عيد الظفيري

e.aldhafeeri@saudiopinion.org

عيد الظفيري

عيد الظفيري , دبلوماسي ومترجم يعمل بوزارة الخارجية ، ماجستير في التحليل السياسي ، دبلوم عالي في الدراسات الدبلوماسية ، عضو سابق في الجمعية العلمية السعودية للغات والترجمة ، كاتب رأي في العديد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق