فضاءات

تجربة السجن لدى «دوستوفيسكي»

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

لطالما كان الروائي الروسي دوستوفيسكي هو أحد أكثر الأدباء غوصًا في النفس البشرية وقدرة على سبر أغوارها، ففي جميع رواياته تقريبًا تجد أرواحًا مأزومة وشخصيات مركبة ومعقّدة مليئة بالتناقضات وتجاذب النزعات البشرية المتباينة فيها.

لكن في روايته «ذكريات من منزل الأموات» هناك تجربة روائية مختلفة وفريدة أرى بأنه من الأهمية أن تتم قراءتها من زاوية مختلفة، فالرواية التي هي أقرب ما تكون لمذكرات شخصية عن تجربة السجن التي مرّ بها الروائي من الأولى أن يتم التعاطي معها كدراسة أثنوجرافية / أنثروبولوجية ترتكز على المشاهدة والمشاركة السيسيولوجية أكثر من التعاطي معها كونها رواية ترتكز على مخيّلة الكاتب وبراعته الكتابية واللغوية.

برأيي أن دوستوفيسكي قدّم دراسة أنثروبولوجية أصيلة لحالة السجن والسجناء، قدّم فيها الحالة الثقافية والاجتماعية والفكرية والسلوكية لهذا المجتمع الصغير والمغلق ذي البيئة الخاصة المستعصية بعض الشيء عن الدراسة الدقيقة لها للمتخصصين القابعين خارج أسوارها.

هذه الدراسة تمثّل نوعًا من الدراسات يسمى في العلوم الإنسانية بالنظرة من الداخل أو«inside view»، وهو نوع من الدراسات يكون فيها الباحث واحدًا من أفراد مجتمع أو بيئة الدراسة، وهي وإن كان يعاب عليها دخول المؤثرات النفسية والعاطفية بشكل قد يخّل بموضوعية التقييم، فإنها بالمقابل تمنح الباحث مقدرة على معرفة التفاصيل بشكل أكثر عمق ومعرفة مقارنة بالباحث الخارجي، من هنا فإننا نرى بأن الروائي العظيم قد منحنا تفاصيل وجزئيات للمركبات النفسية وللتقاطعات والتعاملات بصورة دقيقة لهذه البيئة المغلقة لكونه أحد أفرادها.

ومن هنا برأيي تكمن أهمية الكتاب وقيمته في الجانب الأنثروبولوجي وليس الأدبي، فقد كان دوستوفيسكي باحثًا علميًا أكثر منه كاتبًا أدبيًا في هذه الرواية.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى