برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سَواري

سنة كورونا وسنة الطاعون

كثيرٌ من الناس مازالوا يعتقدون بأنَّ العزل المنزلي لا يعدو كونه وسيلةً احتياطيةً أو ربما ضرب من ضروب المبالغة لا أكثر، لكن التاريخ مليء بالمواعظ والعِبَر، ولعل جائحة كورونا التي اجتاحت العالم من أقصاه إلى أقصاه تعيدنا لحُقبةٍ تاريخيةٍ هامَّة تُسمَّى بـ«سنة الطاعون» وهي السنة التي انتشر فيها مرض الطاعون القاتل في شبه الجزيرة العربية وبالأخصّ الكويت، وكان ذلك في مايو 1831م موسم الغوص وموسم مَقدَم السُفن الهندية التجارية.

قضى وقتئذٍ الكثير من سُكَّان الكويت وكانت غالبيتهم من النساء والأطفال، وتراوحتْ نسبة الضحايا ما بين 60 في المائة إلى 75 في المائة بحسب بعض المصادر، بينما هرع بعضهم إلى منطقة «الشويخ» ليسكنوا «العشيش» هربًا من الوباء، وكانت هذه الفترة مؤثرة في تاريخ الكويت حيث اختلَّتْ التركيبة السكانية والديموغرافية وحلَّ الدمار والخراب في البلد، كما قُطِع نسل عدد من العائلات الكويتية والتي ليس لها وجود الآن.

وقال المؤرخ عبدالعزيز الرشيد  في كتابه «تاريخ الكويت»: أُصِيبتْ الكويت بطاعون عظيم قضى على كثير من أهلها حتى كادت تُصبح منه قفرًا لولا المسافرون من أهلها الذين لم يتراجعوا إليها إلا بعد صفاء جوها من تلك الظلمة.

يُذكر في تفاصيل هذه النائبة أنَّ هناك بيتًا واحدًا في منطقة شرق لم يمُت منه أحد، حيث قرَّروا إغلاق بابهم والمكوث في منزلهم حتى ينجلي الوباء، لكن أصرَّت زوجة ابنهم على زيارة أهلها، ورفضوا فتح الباب لها وتمت الاستعانة بحبلٍ لإنزالها من سطح البيت للخارج، وما هي إلا دقائق معدودة استغرقتها لتعود مُجدَّدًا إلى المنزل بعد اكتشافها موت أسرتها بالكامل، لكن لم يُفتح لها الباب حتى فارقتْ الحياة عند عتبته.

عاد المسافرون من مواسم الغوص والتجارة بعد زوال الوباء ليُصعقوا بوفاة أهليهم، وليجدوا الطاعون قد فتك بأهل الكويت جميعًا ولم يتبقَ إلا القليل منهم.

رغم اختلاف الوباءين وتباعد الحُقبتين الزمنيتين اللتَين تفصلهما وتفاوت الإمكانات الطبية وكذلك الاقتصادية، إلا أننا لابد أن نتوقّف عند تلك القصّة ونستلهِم العِبَر والدروس، فالكيِّس الفَطِن هو مَنْ يتَّعِظ من تجارب الغير ولا ينتظر أن يحلَّ به البلاء.

ولنا في تجربة إيطاليا عِظة وعِبرَة، فقد سجّلت – حتى لحظات كتابة هذه السطور – حصيلة وفيات بلغتْ 5500 متجاوزةً بهذه الحصيلة الصين التي انطلقت منها جائحة كورونا وبلغتْ الوفيات فيها 3255.

البعض فسّر الانتشار البالغ والسريع في إيطاليا كونها تُعتبَر دولة دينية تحتضن دولة الفاتيكان التي تقع فيها كاتدرائية القدِّيس بطرس مركز القيادة للكنيسة الكاثوليكية حول العالم.

وهذا ما قد يُفسّر أيضًا انتشار كورونا في إيران التي تحتوي على عددٍ من أقدّس المقامات الشيعية، والتي لم يتم إغلاقها – للأسف – إلا بعد تفشّي الوباء في البلاد، وتحتل إيران اليوم تصنيفًا مُتقدِّمًا بين الدول الأكثر تضررًا منه، حيث وصل عدد الإصابات المؤكدة فيها حتى الآن ما يربو على 21 ألفًا، كما وصل عدد الوفيات 1685 حالة.

إلى كل شخصٍ غير مُكترث، خذ الموضوع على محمل الجد، ولا تنتظر حتى تصبح رقمًا – لا سمح الله  – في الإحصائيات اللحظية لهذه الجائحة.

رائد البغلي

كاتب و مدوّن ، حاصل على البكالوريوس في ادارة الأعمال ، و دبلوم في المحاسبة التجارية. له العديد من الكتابات المنشورة في الصحف الرسمية السعودية و الخليجية و مواقع التواصل الإجتماعي ، و أبرزها : صحيفة الرياضي ، و الشرق ، و اليوم ، و الراي الكويتية ، و الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق