مسامرة

معركةُ البقاء

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

أتفهّمُ كيف يعي مخلوقٌ حيُّ عاقلٌ قيمةَ الحياة وكيف يتشبّثُ بالبقاء حيًا على وجه هذه الأرض وأن يسعى بكل ما أوتي من قوة للتكاثر لكي يحمي نوعَه وجنسَه من الفناء، ولكن الذي يصعب عليّ فهمُه هو كيف أن خاصية حب البقاء ليست حصريةً على الكائنات الحية والعاقلة.

من الغريب أن يكونَ كلُّ شيءٍ حيٍّ -وحتى لو لم يكن له عقل- حريصًا على استمرار هذه الحياة بالتكاثر، الخلية الحية -مثلًا- تتكاثر متناسخةً عن طريق الانقسام رغم أنها لا عقل ولا وعي لها، والأغرب من ذلك أن تجد كائنات لا حياة فيها ولا عقل ولكنها لا تقل توقًا للتكاثر والبقاء عن تلك الكائنات الحية والعاقلة.

الفيروس، ذلك الكائن المفلس من الحياة والعقل، يمارس كل أنواع الدهاء والتحايل ليكتسب القدرة على التكاثر والبقاء، لا يملك هذا الفيروس من مقوّمات البقاء سوى معلومات عن خصائصه «شريط نووي يحمل صفاته الجينية» وغلاف يحمي به سلامة هذا الشريط من التحلّل، ولكنه لا يملك أي مقدرة ذاتية على الانقسام والتكاثر كالخلية الحية، ورغم ذلك فإنه لا ييأس من ممارسة جميع أنواع الدهاء والمكر والتحايل لاكتساب تلك المقدرة.

ما أشبه هذا الفيروس المفلس من الحياة والمقدرة عندما ينجح أخيرًا في التكاثر بإنسانٍ مفلسٍ يحلم بامتلاك منزل وهو لا يملك شيئًا سوى خريطة تصميم هذا المنزل، عندما يتمكن أخيرًا بالتحايل والمكر ليس من بناء منزلٍ واحدٍ فقط بل من بناء ملايينٍ من مثل هذا المنزل.

نحن الآن نشهدُ معركةً داميةً وحاسمةً بين طرفين كلاهما يريد البقاء بقوّة، إنسانٌ حيٌ عاقلٌ يريد ألا يفنى، وفيروسٌ ميّتٌ على حافة الحياة يريد أن يتكاثر ليبقى، فمن سيحسمُ هذه المعركة في النهاية؟

كتبَ الكثيرون إبان هذه المعركة بين مستغربٍ من ضعف الإنسان الذي كشفته هذه المعركة، وبين آسٍ على جبروت الإنسان الذي بدأ يتهاوى في هذه المعركة، وبين شامتٍ في غرور الإنسان ومُتَوقعٍّ لأفول عصره، ولكنني أختلف مع كل هؤلاء، دعوني أبشّركم بأن الانتصار في النهاية سيكون للأقوى، وأن الأقوى ليس هو الأكثر هيمنةً وفتكًا في هذه اللحظة بل هو الأكثر ذكاءً ورشدًا مِن الآخر.

هذا الضعف واليأس والانكسار الذي بدا على الإنسان في هذه المعركة ما هو إلا دليلٌ على عقل الإنسان ورشده، لأن الإنسان يدرك أن أكبر ضعفٍ قد يصيبه هو جهلُه، وأنه الآن يعاني من مثل هذا الضعف، ولكن الفيروس الذي طغى وتكبّر وفتَك هو جاهلٌ ولا يعلم بجهلِه.

لا يعدو هذا الضعفُ والخنوعُ الذي أظهرَه الإنسانُ اليومَ كونَه انحناءً ريثما تهبّ عاصفةُ جهله بهذا الفيروس، وكيفية انتشاره ومقاومته، والإنسانُ بعقله ووعيه وإرادته قادرٌ على التعامل مع جهله والعمل على التخلّص منه بالعلم والبحث.

ولكن هذا الفيروس الآثم الذي يبدو الآن مزهوًا بانتصاره اللحظي وبقدرته الماكرة على غزو خلايا الإنسان واحتلالها وتحويلها إلى مصانع عالية الإنتاج يستنسخ فيها نفسه ويضاعف أعداده بالملايين، سيمضي وهو لا يدري ما يُحاك حوله من تصميم الإنسان على معرفته أكثر، تلك المعرفة التي سيحصل عليها الإنسان إن عاجلًا أو آجلًا وسيغيّر بها موازين القوى لصالحه في هذه المعركة الكبرى.

و«كورونا» ليس بدعًا من الأوبئة التي فتكت بالإنسان حينما كان يجهل بها ثم انتصر عليها حينما عرف عنها، وأن انتصار الإنسان في معركة البقاء الشرسة إن شاء الله لقريب.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى