اَراء سعودية
بُعد آخر

خليك بالبيت!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في الأيام الثلاثة الأولى من ظهور هذه الأزمة والالتزام بالبقاء في المنزل كان يسألني صغيري: بابا لماذا لم نعد نخرج كل يوم؟ وكنت كأب أتعثر مقتصدًا في الإجابة عن سؤاله كل مرة تحاشيًا من أن أكون سببًا لبث الذعر في قلبه الصغير.

مع انقضاء الأسبوع الأول توقف صغيري عن سؤاله اليومي الملح، أنكرتُ ذلك وبادرته بسؤالٍ وهمي هو أقرب لبالون اختبار: هل ترغب في الخروج يا صغيري؟ أجابني على الفور بأنه مرتاحٌ لبقائه في المنزل ولا داعي للمغامرة، أدركت عندها بأن الوعي قد يستغرقُ وقتًا لكنه يتحقق بالصبر والتعود.

ومع كل يوم يمرّ أصبحت أزداد قناعة بأن مسألة البقاء في المنزل لأطول وقتٍ ممكن هي الأساس في طبيعتنا البشرية بينما الخروج منه هو الطارئ وليس العكس.

الحقيقة أننا في هذه الأزمة عدنا إلى بيوتنا، بيوتنا التي كان بعضنا يقضي فيها لمامًا سويعات للنوم أو يتخذها محطة عابرةً للمرور ومن ثم الخروج مرة أخرى، كانت ساعاتنا خارج المنزل للعمل أو قضاء الأعمال أو الترفيه تأكل النصيب الأوفر من حصة استقرارنا واستغراقنا في كنف أسرنا.

كثيرٌ من عاداتي تغيرت وتبدلت وأنظر إليها اليوم بتعجب! هل مرّ حقًا شهرٌ كامل دون زيارتي لصالون الحلاقة؟ هل استبدلتُ لأسابيع متتالية قهوتي المقطرة بقهوة منزلية بعُشر الثمن؟ هل استطعت الاستمرار في أداء واجباتي العملية عن بعد دون الاضطرار لشق ذلك الطريق المزدحم كل يوم والبحث عن موقف شاغر؟

حتى على مستوى الطعام والشراب، كانت سنوات الابتعاث والغربة خارج الوطن كفيلةً بأن تجعلني وزوجتي نتنازل كثيرًا عن اشتراطات وقيود الالتزام بالطعام داخل المنزل، لكننا مع هذه الأزمة عدنا إلى مطبخنا الصغير وعقدنا مع ثلاجته وموقده معاهدة حسن جوار للاكتفاء به بديلًا عن المطاعم.

وأظننا نبلي بلاءً حسنًا على هذا الصعيد يومًا بعد يوم، في نهاية المطاف كل مرّ سيمر، ومن رحم المحن تولد المنح، وأيام وبتعدي.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق