همسات

مطر ذكريات نيسان

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

يقول «كونديرا»: ثمة وشيجة سرية بين البطء والذاكرة، كما بين السرعة والنسيان، لنذكر بهذا الصدد وضعية قد تبدو عادية للغاية، رجل يسير في الشارع ثم فجأة يريد تذكر أمرٍ ما، لكن الذاكرة لا تسعفه، في تلك اللحظة، بطريقة آلية يتمهل في الخطو.

في أيام الحجر البطيئة وخلف الأبواب التي لا تفتح إلا للضرورة تهبط الذكريات البعيدة دون دعوة، كأن هذا الهدوء الثقيل الممتد منذ شهر يستفزها كي تظهر.

كل يوم أحتسي وأختي الشاي منتصف النهار على مهل، نذيب السكر في الفناجين ببطء ونُشرع أبواب الذاكرة على مصراعيها، نعود معًا طفلتين مطلع الثمانينيات تلاحقان ضوء الشمس في مزارع النخيل وتتراشقان مياه العيون العذبة في البرك الطينية المكشوفة تحت سماء الواحة البهية «واحة الأحساء».

كل التفاصيل والحكايات المنسية تسرد بدقة متناهية عجيبة، صوت عصا جدي التي تدق الأرض معلنةً عن وصوله ثم صوته الحاني مناديًا «يا معين» انهيار الجسر القديم الممتد فوق قناة الصرف الزراعي، الأحبة الذين غادرونا بل وحتى الذين سمعنا بهم ولم نرهم «الخراريف» و«الحزاوي» والأغنيات، كلها تنتصب أمامنا كمرآة معتقة تجبرنا على النظر إلى أنانا البعيدة جدًا، أنانا القديمة، تجبرنا على التذكر.

تدور هذه الجائحة الثقيلة على البلدان بمدنها وقراها، تغلق الأبواب وتشل الحياة مرغمةً الجميع على التمهل، التمهل الذي يوقظ الذاكرة، نتذكر مثلًا أننا ضيف ثقيل مدمر على هذه الأرض وأن علينا احترام هذا المُضيف والمحافظة عليه، لأنه حين يتضرر نتضرر جميعًا معه.

نتذكر أننا رغم اختلاف مظاهرنا وألواننا وألسنتنا، فنحن جميعًا بذات الهشاشة والضعف أمام المرض والموت وإن كنّا في حصون مشيدة، نتذكر أن الحياة جحيم خانق حين نعبرها فرادى وأننا محتاجون لبعضنا كي نعيش ونفرح ونتنفس و«أن الجنة من غير ناس ما تنداس» نتذكر من أين أتينا وما هي رسالتنا على هذه الأرض وإلى أين سنمضي.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى