برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
تأملات

ديكتاتورية الوباء

الديكتاتورية -ليس للتعريف وإنما للتذكير فقط- هي حكم مطلق، تنحصر السلطة في يد شخص واحد، تغيب فيه المؤسسات، وهي سيطرة مركزية مطلقة على كل مظاهر الحياة، وعند الرومان الديكتاتور في الأصل هو منصب سياسي ولقب كان يعد محترمًا، يمنحه مجلس الشيوخ في حالة الطوارئ لقاضٍ يدبر شؤون الجمهورية الرومانية لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، وهو إجراء تم إبطاله بعد اغتيال الإمبراطور يوليوس قيصر.

وباء كورونا في العصر الحديث أبان عن علو كعبه في ترهيب وتهديد وتذليل العالم، وبفعل هذا الفزع تحكم في الإعلام، وفرض لنفسه دعاية، وروج لها في أنحاء المعمورة، وأحكم قبضته على الجماهير، وأصبح ذا سلطة ومهابة، فرض الحظر، وأَمْلى قانونه، وأخضع البشر، واستحقر الإنسان وطوع غروره، إنه ديكتاتور بلا رحمة وبلا هوادة، لا ترصده العين حتى تكتشف فتكه وبطشه وقساوته، فأصبحت الجماهير تهابه وتخشى على أعناقها من سيفه وكأنه «الحجاج» يهدد ويتوعد.

ما فرضته ديكتاتورية كائن مجهري من طاعة وامتثال للأمر والنهي والقانون عجزت عن تحقيقه الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمة السلام الأخضر والدول العظمى مجتمعة،فلأول مرة يسمح للكرة الأرضية بقسط من الراحة، وبالتنفس تحت وطأة ساكنة أوشكت على القضاء على 8 مليارات نسمة، أول مرة نعاين مؤشرات غير مسبوقة في تراجع الانبعاثات الغازية الملوثة والمرتبطة بما يعرف بـ«الاحتباس الحراري» أول مرة تُظْهِر الأقمار الاصطناعية تدني نسب التلوث في سماء البلدان كما لم يحدث منذ 70 سنة حسب الخبراء.

العالم في حرب مع الوباء، وما يشغله اليوم -على ما يبدو- هي معركة الكمامات، والمعدات والتوصيات، لكن بالموازاة، هل أفسحنا المجال بما يكفي لنقاش الأسباب والمسببات حتى نغير السلوك؟ وحتى لا نتمادى في صنع أوبئة ربما أشد فتكا وتفادي أسوأ سيناريوهات الطوارئ المناخية والتي تحيلنا مباشرة على الطارئ الصحي الذي يعد الإنسان هدفه الأخير، حتى لا أقول ضحيته الأولى.

اليوم، ولو أننا قابعون في منازلنا، نشعر بأننا نتنفس أفضل، استراحة قصيرة غيرت وجه العالم، ومكنت الطبيعة من استعادة سكونها وهدوئها، وقد علق أحد المفكرين قائلا «الديكتاتور فرد بين البشر، وليس بشرًا في فرد» فهل يصح هذا القول على ديكتاتورية الوباء؟ التعليق لكم.

محمد الحمزة

اخصائي اجتماعي ||‏‏‏‏‏‏‏ كاتب في جريدة الرياض || مستشار ومعالج في مركز بصمات للارشاد والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق