برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
عناقيد العنب

القوى الناعمة بين البناء والتدمير

يقع مسلسل “مان هنت” في ثمانِ حلقاتٍ فقط ليحكي القصة الحقيقية التي زامنت القبض على مفجر الجامعات والطائرات وأكثر المطلوبين للعدالة في الولايات الأمريكية المتحدة في الثمانينيات من القرن الماضي، أطلق المسلسل عام 2017 على صندوق المشاهدة “نتفليكس” الذي غيّر مفهوم المشاهدة من جماعية إلى فردية، من قسرية إلى اختيارية، من زر تقليب القنوات بملل إلى متابعة متصلة لا تتوقف إلا بمباغتة سطوة النوم لك على “الكنبة” .

بعيداً عن المعايير الفنية الفائقة التنفيذ في العمل، فإن “المسلسل” يقدم فكرة مهمة كان اثباتها عصيبا حينذاك، تتمحور حول أهمية التدقيق اللغوي والتحليل السيكولوجي للشخصية في الحروب الباردة من خلال الكتابة والمفردات المستخدمة وتوظيف ذلك لفهم الشعوب ومن ثم اختيار القوالب الملائمة للرد.

رغم أن اقتناع المسؤولين في مكتب التحقيقات الفدرالية بإدراج لغة المجرم كأدلة إدانة كان شبه مستحيلاً، خاض المحقق “فيتزجيرالد” صراعاً مع رؤسائه من جهة ومع عقلية المجرم البارع في اخفاء كل أدلة ممكنة تقود العدالة إليه، فبعدما أقدم على ستة عشر تفجيراً خلال سبعة عشر عاماً راح ضحيته مئات الجرحى وثلاثة قتلى، جميعها باستخدام طرود بريدية أثارت الذعر والقلق في أرجاء البلاد، ساوم الصحافة على أهمية نشر بيانه وهو أستاذ الرياضيات العبقري الذي كان يمكن أن يحيا حياة مرفهة خالية من المنغصات، أو ادعاء العته للنجاة، لولا نزوعه للفت أنظار العالم من خلال إشاعة الخوف في صفوف رواد الجامعات والمطارات، إلاً أن المحقق استطاع تأسيس وحدة خاصة بخبراء اللغويات والتحليل.

عبارة واحدة أدت إلى التعرف عليه من خلال المقارنة بين اللغة الاستدلالية للبيان وخطاباته إلى شقيقه الأصغر الذي لا نستطيع القول بأنه وشى به عندما قال أن أخيه فقط هو من يكتب هذه العبارة بهذه الصياغة المعكوسة “لن تستطيع أن تتناول الكعكة وتحتفظ بها في الوقت نفسه”، تفاصيل التعرف على مكان اختبائه واثبات إدانته في المحاكم معقدة وممتعة، ولكن لا يمكن مشاهدة المسلسل بمعزل عن قراءة الكتاب المعنون “المجتمع الصناعي ومستقبله” وهو الكتاب الذي يضم بيان “تيد كازينكسي” صاحب اللقب المستحدث “يونيبامبر” التي تعني المفجّر، يدين “تيد” فيه التكنولوجيا بكل أذرعتها وسيطرتها المفجعة – في نظره – على المجتمعات ويدعو للعودة إلى الحياة البدائية، وبالرغم ما تنطوي عليه هذه المطالب من جنون وتراجع حضاري إلا أنه مكتوب بلغة حقيقية ذات نزعة رجولية اختزالية استحق عليها السجن المؤبد.

اللغة سلاح قوي ورقيق في الوقت ذاته، وهذا يقود إلى الضرورة الحتمية للتفكير في تعدد أساليب القوى الناعمة وتأخر وصول المفهوم إلى العالم العربي ناهيكم عن تأخر استخدامه في إيصال رسائلنا الإيجابية للعالم كافة، القوى الناعمة لا تعني مسرحاً ارتجالياً خالياً من الأفكار وأفلاماً باهتة وأعمالاً فنية بعيدة كل البعد عن الإبداع لكنها في نفخ ريشة رقيقة الأطراف حادة التوجه لتعبر القارات والمحيطات.

رأي : رحاب أبوزيد

r.abuzaid@saudiopinion.org

رحاب أبو زيد

رحاب بنت محفوظ أبوزيد، مواليد الرياض بكالوريوس أدب انجليزي – كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، أخصائية علاقات إعلامية بقسم النشر – العلاقات العامة، شركة أرامكو السعودية، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية السعودية، صدر لها خمسة كتب مختلفة التصنيف، فقد كانت روايتها الأولى عام 2010 بعنوان "الرقص على أسنة الرماح". كتابها الثاني جاء بعنوان "بجناح واحد" وهو عبارة عن عودة لأدب الرسائل الوجدانية، حظي بمقدمة للكاتب نجيب الزامل. في عام 2015 صدرت باكورة مقالات ومشاركات صحفية عدة للكاتبة في عامودها الأسبوعي في كتاب "بتونس بيك" عن الدار العربية للعلوم ناشرون فيما يزيد عن 500 صفحة. وكان حصاد عمل متسق ومتواصل على مدى عامين لجمع مقالات نشرت في صحيفة البلاد وشمس واليوم ومجلة سيدتي، والشرق الأوسط من عام 1997 وحتى 2015. صدرت للكاتبة مجموعة قصصية في مطلع 2016 بعنوان "حليب وزنجبيل". وأخيرا رواية "كيرم" عن دار ملهمون عام 2018.

‫2 تعليقات

  1. صدق من قال : الكتاب يبان من عنوانة ..
    ومقالكِ أ / رحاب من عنوانة نبرهن ع جودة المضمون
    ومع مرور شهر ع صدور جريدة الرأي السعودي
    كل يوم يرتفع رمت الفكر الصحفي والادبي والثقافي لكتاب الرأي هنا ..
    وبوصلة القارىء تتجة للأستفادة من خامات تزيد فينا حب الأطلاع من القمة
    تحية لكِ حصرية وللبقية من كتاب الرأي .. كسب القارىء بمهنية وحترافية عطا حرية الرأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق