مسامرة

المتآمرون

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

كُلُّ مَن يضعُ نظريةَ مؤامرةٍ فهو متآمرٌ من حيث لا يشعر

عندما أدخل بيتي بعد عمل يوم شاق وتخبرني زوجتي بأنها لم تطبخ الغداء هذا اليوم لأن الفرن قد عطب في الصباح، وعندما أرى بأنه كان يبدو عليها بعض الارتياح، فإنني أستطيع وبسهولة بالغة أن أتهم زوجتي -ولو في داخل نفسي- بأنها هي التي أعطبت الفرن حتى تتملّص من مهمة الطبخ المرهقة طلبًا للراحة.

هذا هو كل ما يحتاجه المهووس بنظرية المؤامرة لكي يحيك فرضيته، وهو أن يجد دافعًا منطقيًا «مصلحة» لطرفٍ ما من «نتيجة واقعية» قد حدثت ليقوم بعدها بفبركة المقدّمات، التي يُحتَمل أن تؤدّي إلى مثل هذه النتيجة، من محض خياله، عندما تكون هناك نتيجة واقعية واحدة فمن السهل جدًا أن يبني الخيال سيناريوهات مُحتملة كثيرة جدًا، لمقدّمات قد تؤدي إلى مثل هذه النتيجة.

إن وجود دافع منطقي «مصلحة» لزوجتي من نتيجةٍ واقعية «عطب الفرن» يكفيني – إذا كنتُ مهووسًا بنظرية المؤامرة – لكي أطلقَ العنانَ لخيالي وأضع سيناريوهات لمقدّمات متعدّدة مُحتملة، كلّها قد تؤدي إلى مثل هذه النتيجة، فمثلًا أستطيع أن أتفنّن في افتراض مثل هذه المقدّمات المُحتَمَلة:

· لقد تَعَمَّدَت زوجتي ألا تخبرني بأن الفرن سيعطب رغم معرفتها بذلك لأني سمعتها تشكو قبل أيام لابنتي من الفرن، لكنها لم تطلب مني إصلاحه أبدًا، لقد كانت تتمنى أن يعطب الفرن دون درايتي حتى ترتاح من الطبخ.

· لقد قامت زوجتي بإعطابه عمدًا لأني لاحظتُ أنها قبل يومين طبخت ٣ طبخات في وقتٍ واحد وكأنها تريد أن تجهد الفرن حتى يعطب بسرعة.

· أتذكر بأنها امتدحت فرن الجيران أمامي قبل شهرين وكأنها كانت تلمح لي أنها تريد مثله، ولكن لأني لم أعِرها أيّ اهتمام حينئذٍ يبدو أنها أعطبته الآن لتجبرني على شراء مثل ذلك الفرن.

· لقد حدّثتني قبل فترة برغبتها في إعطائه لسائقنا الخاص وشراء فرنٍ جديد ولكنني لم أتجاوب مع رغبتها ويبدو أنها أعطبته لتجبرني على ذلك.

وهكذا فإن عقل المهووس بنظرية المؤامرة قد يذهب بعيدًا في وضع فرضيات عديدة تبدو كلّها معقولة ومنطقية ومحتملة، وتراه يزداد اقتناعًا بتلك الفرضيات كلّما ازداد تفكيرًا بها، وكلّما ساءت علاقتُه وظنونه بالطرف الذي يتهمه بالمؤامرة.

وأريدك يا عزيزي القارئ أن تراقبَ معي موقفَ المهووسين بفرضية المؤامرة من جائحةِ كورونا في قادم الأيام، وأراهن بأنه كلّما برزت مصلحةٌ – وإن كانت عرضيةً ومن محض الصدفة – لأحد الأطراف من تداعيات هذه الجائحة، فستجد من سيرفع عقيرتَه من هؤلاء المهووسين ليتهمّ هذا الطرف بأنه هو الذي تسبّب وتآمر في إحداث هذه الجائحة، ولن يخذلَه خيالُه الخصب وظنُّه السيئ في التفنّن في فبركة المقدمات والسيناريوهات التي قد تبدو كلّها منطقيةً ومعقولةً، رغم أنها قد تكون محضَ ظنون، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.

إن وجود دافعٍ أو مصلحةٍ لأي طرف من وقوع أي حدثٍ ما، لا يكفي لاتهام هذا الطرف بأنه هو الذي تآمر ليوقع هذا الحدث، ولا بد من وجود أدلة وبراهين قاطعة على ذلك لا تدعَ مجالًا للشك، ولكن واضعي فرضيات المؤامرة لا يقدّمون مثل هذا الدليل لأنهم يكتفون فقط بالتآمر مع مقدّماتٍ وهميةٍ مُحتملة، لتبدو ذاتَ علاقةٍ منطقيةٍ ومُقنِعةٍ مع نتيجةٍ واقعية.

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

‫2 تعليقات

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..هل لك اي مجلة أو موقع اتابع فيهولك جزيل الشكر والعرفان

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى