بدون سكر

«كحة» العامل

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تستطيع الكوارث والأوبئة في بعض الأحيان كتابة تقارير غاية في الدقة والبلاغة تصف من خلالها مشكلة أو قصورًا في جانب معين أو عدة جوانب في آنٍ واحد، هكذا يمكن للأمطار الغزيرة مثلًا أن تكشف جودة بناء جسر أو طريق، وكفاءة الجامعات التي تخرج فيها المهندسون، ومعايير الجودة والرقابة الموجودة في القطاع، وكفاءة القانون والضوابط التي لم تردع المقاول عن التلاعب.

وهكذا يمكن أيضًا لـ«كوفيد 19» أن يكشف تلك الشركات التي تكدس عمالتها في أماكن سكن ضيقة جدًا، حيث يكفي أن يكح شخص في شمال مدينة حتى تصل عدوى مرضه إلى أقصى جنوبها، وهكذا يمكن أن يكشف كذلك أخلاقيات زمرة من التجار الذين حاولوا التلاعب بمعروض منتج معين وكذا الأسعار من أجل تحقيق المزيد من الثروة.

كغيري من سكان العالم، أجد نفسي منشغلًا -بنسبة ما- بمتابعة وباء كورونا وتلك الآثار المزعجة له، والتي تؤثر تأثيرًا مباشرًا على حياتنا، وانتظار بيان وزارة الصحة اليومي بشأن إعلان عدد المصابين والمتعافين أولى من كل المسلسلات والأفلام ومباريات كرة القدم، وكلما كان عدد المصابين مرتفعًا شكل ذلك مستوى كبيرًا من الألم.

أحد الأمور التي تكشفت في السعودية من هذا الوباء، هو التكدس المهول للعمالة في سكن الشركات أو في الشقق السكنية في المدن، هكذا يمكن أن يصل عدد العمال في غرفة لا تقبل في الظروف الطبيعية أكثر من شخصين إلى تسعة أشخاص أو عشرة، هكذا تجد في كل ضلعٍ من الغرفة سرير دورين «bunk bed» كما تجد في الوسط اثنين ينامان على الأرض، يضاف إلى ذلك دورات مياه ومطابخ رديئة جدًا لا يوجد بها في الغالب أدنى درجات النظافة والسلامة.

في ظل حال كهذا يمكن لأدنى وباء أن ينتشر خلال فترات قياسية في المدن، فهؤلاء العمالة هم من يبيعوننا في البقالات، المخابز، المطاعم والصيدليات وغيرها، هم من يعملون في البناء والتشييد ونظافة جميع المرافق الحكومية والمستشفيات، بذلك فإنَّ جميع هذه الأماكن معرضة للوباء ولانتقال العدوى، وهذا -في اعتقادي- أحد الأسباب التي تفسر الاطّراد المستمر في أعداد المصابين بهذا الفايروس.

مرت على تاريخ الإنسانية أوبئة استطاعت حصد مئات الملايين من البشر، هكذا ينقل التاريخ أنَّ من أشدها فتكًا الطاعون والجدري والكوليرا والإنفلونزا الإسبانية، اليوم يبدو أنَّ فايروس كورونا مصمم على البحث عن موقع أكثر تقدمًا في ماراثون الأوبئة، هكذا يحصد أرواح عشرات الآلاف بلا توقف.

غير أن بلادنا -ولله الحمد- تبذل جهودًا جبارة في محاربته، ويبقى التعاون مع توجيهاتها غاية في الأهمية، وعلى الخصوص أصحاب المخيمات السكنية للشركات، وكذا العقاريون الذين يؤجرون للعمالة في المدن، هؤلاء مسؤولون أمام الله -سبحانه وتعالى- والوطن، عن توفير ظروف السلامة في منشآتهم وعقاراتهم، وما لم يبادروا لذلك فإنهم مع بالغ الأسف يساهمون بقصد أو بدون قصد في انتشار هذا الوباء واستمراره.

سراج أبو السعود

سراج علي أبو السعود , حاصل على الاجازة من جامعة الملك سعود في تخصص البحوث والعمليات (الأساليب الكمية)، مارس الكتابة الصحفية على مدى 20 عاماً في عدد من الصحف السعودية .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى