مسامرة

الخيارات المتعددة والألم

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

هل التقييد أكثر إيلامًا للنفس من الحريّة؟

عندما يكون عندك أكثر من خيار في أي شيء كأن تكون عندك هذه الخيارات: أن تفعل الشيء، أو ألا تفعله، أو أن تفعله بالطريقة «١» أو أن تفعله بالطريقة «٢» أو أن تفعله بالطريقة «٣» وهكذا، فإن هذه الحريّة قد تكون أكثر إرهاقًا للنفس من أن تكون مقيّدًا بخيارٍ واحد لا ثاني له، عندما تُتاح لك خيارات متعددة فإن أول ألمٍ يواجهك هو شعورُك بأن مسؤولية معرفة الخيار الأفضل هي مسؤوليتك أنت.

إن انتخاب الخيار الأفضل يعني أنه يجب عليك أن تدرسَ جميع الخيارات دراسةً مستفيضة، وأن تقوم بعد ذلك بالمقارنة بينها حتى يتبيّن لك الخيار الأكثر منفعةً والأقل مضرةً فيها، وطلب المعرفة ليس من الأمور التي يحبها أو يجيدها كثيرٌ من الناس، فالكثيرون يرتاحون لمعرفتهم الحالية ويستصعبون تحصيل معرفةٍ جديدة ويحاولون أن يكتفوا بتلك المعرفة القاصرة لاتخاذ القرار، ولذلك فإن هناك احتمالًا كبيرًا في أنهم لا يصيبون في اختيار الأفضل بالضرورة.

وعندما يكتشف الإنسان لاحقًا أنه قد أخطأ في انتخاب الخيار الأفضل، وذلك عندما يكتشف مساوئ الخيار الذي قام باتباعه متمثلةً على أرض الواقع، فإن الألم الثاني الذي سيواجهه هو شعوره بالندم على القيام بهذا الاختيار.

إن منشأ هذا الشعور المؤلم بالندم هو إحساس الإنسان بأن الأمر السيئ الذي أصابه لم يكن محتومًا عليه، بل بأنه كان من صنيعة يده وبسبب قصوره أو تقصيره، ولا يقتصر الشعور بالندم على فعل الشيء الأقل صوابًا بل يشمل عدم الفعل أيضًا، قال أحد الحكماء «إن الندم على عدم فعل بعض الأشياء المهمّة هو أكثر إيلامًا من الندم على فعل بعض الأشياء الخاطئة»

وعندما يكون الإنسان حاذقًا وعارفًا بضرورة تحصيل المعرفة الكافية لاتخاذ الخيار الأفضل، وجادًا في طلب تلك المعرفة ولكنه مدرك لقصوره البشري في إصابة المعرفة الحقيقية، فإنه قد لا يسلم من نوعٍ ثالثٍ من الألم وهو ألم الحيرة والتردّد في اتخاذ القرار.

ولأن يجد الإنسان نفسه في حياته اليومية في كل أفعاله أمام مثل هذه الخيارات المتعدّدة، فإنه لا يفتأ يعاني من هذه الآلام الثلاثة: المسؤولية والندم والحيْرة.

وأنا شخصيًا أشعرُ بمثل هذا النوع من الألم عندما أواجه مائدةَ إفطار رمضان العامرة ذات الأطباق الشهيّة والمتعدّدة، فكلّ تلك الأطباق الشهية وإن اتحدت في لذتها فهي تتفاوتُ في صِحيّة مكوناتها ومناسَبَتها لعمري ووضعي الصحي، فبعضها مفرطٌ بالدهون وبعضها مفرطٌ في النشويات وبعضها مفرطٌ بالسكر، ولكن الشهيّة مفتوحة والعين واسعة ومقاومة اختيار الأسوأ صعبة، وأعرف أنني لو لم آكل من كل تلك الأصناف سأندم ولو طاوعت نفسي وأكلتُ سأسقم.

من الغريب حقًا أن تكون الحرية وتعدّد الخيارات مصحوبةً بالألم، والحجر الصحي الذي حدّد كثيرًا من خياراتنا فإنه رغم ما أحدثه من آلامٍ مختلفة إلا أنه قد خلّصنا من ألم الخيارات المتعدّدة، وصدق المثل الشعبي القديم القائل «إذا أردتَ أن تُحيّرَه فَخَيِّرَه»

محمد العيسى

بكالوريوس هندسة ميكانيكية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، عضو في منظمة التوستماسترز العالمية منذ عام ٢٠٠٥ م وحاصل على وسام التوستماستر المتميّز، له سجل كبير من البطولات في مسابقات الخطابة، وألقى الكثير من الخطب والمحاضرات وورش العمل المتعلّقة بفنون التواصل وتطوير الذات، كتب في عدد من الصحف السعودية

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى