همسات

عزلة الشخص العادي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في حديث للكاتبة الأمريكية إيليزابث جيلبرت مؤلفة الرواية الشهيرة «طعام، صلاة، حب» اعتذرت لجماهيرها الذين كانوا يستمدون منها الإلهام لأعوام طويلة لأنها كانت تسوق لقناعة شخصية أثبتت لها الأيام أنها خاطئة ومجحفة في حق الكثيرين.

تلك القناعة التي ينادي بها غالبية المتحدثين التحفيزيين والخطباء حول العالم «اتبع شغفك، نم مواهبك وحقق الحلم» في الواقع ليس لدى الجميع موهبة، حلم أو شغف، قليلون فقط من يولدون وهم يعرفون تمامًا ومنذ أعوامهم الأولى أو مطلع شبابهم ما الذي يستهويهم، ما الذي يحقق ذواتهم ويعبر عنهم، ما الذي يتدفق منهم بحب ودون عناءٍ يذكر، أما البقية فأمامهم رحلة بحث طويلة قد تكون محبطة وصعبة إن كانت تحت ضغوطات الهوس بالشغف ووصمة العار بتصنيف «الشخص العادي»

اليوم وبينما تمنحنا الكورونا هبة الوقت، تتعالى الأصوات التحفيزية المستفزة التي تقسم الناس بين مستثمر ناجح وآخر فاشل، يصبح لوصمة الشخص العادي ثقل مختلف جديد، فهو ليس عاديًا فقط بل هو رافض للتطور، فبالرغم من صعوبة الظروف المحيطة والتفاوت الشديد في التقبل النفسي للعزلة، يجد متنمرو الشغف الجرأة على إصدار الأحكام والتحدث بفوقيتهم المعهودة، غير مدركين أنهم أنفسهم ضحايا ضيق الأفق.

ماذا لو كان أفضل استثمار للوقت الآن هو تضييعه تمامًا؟ ماذا لو كانت هذه فرصتنا الأولى والوحيدة لمغادرة عجلة الهامستر التي كنا نجري بها طويلًا فنلتقط أنفاسنا أخيرًا؟ ماذا لو كان علينا أن نصل إلى أقصى حالات الملل فنعود غدًا إلى أعمالنا ومدارسنا وحياتنا بشوق وحماس منقطع النظير فنقدّر النعم التي كنا نتبرم منها طويلًا؟

ماذا لو كان علينا التوقف تمامًا عن التفكير بل الوصول إلى حالة السكون التام التي ستطلق في أدمغتنا موجات الألفا والتي ستعيد التناغم بين فصي الدماغ وتعد نوعًا خاصًا من إعادة التشغيل؟ الكوكب كله بحاجة لإعادة تشغيل، أفلا تحتاج له أدمغتنا! ماذا لو كانت كل تلك الفرضيات ساذجة أو ساذجة جدًا؟ حسنًا ربما، رغم ذلك يبقى الشخص العادي شخصًا رائعًا كما هو تمامًا وله حرية القرار.

سلمى بوخمسين

سلمى عبد الحميد بوخمسين , مخرجة مسرح , قاصة , سينارست , كاتبة رأي في عدة صحف محلية منذ عام 2016 و حتى الآن منها الشرق و اليوم و القافلة . نشرت مجموعة قصصية عام 2018 بعنوان على سرر, كما كتبت عدد من النصوص المسرحية , واخرجت مجموعة من المسرحيات و العروض الفنية و مسرح الظل نال بعضها على عدد من الجوائز .

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى