اَراء سعودية
على حد حلمي

هدر الموارد في بناء المساجد!

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

في ممرات «شوارعية» أمارس فيها رياضة المشي اليومية، لفتت نظري وسمعي وبصري لافتة كبيرة في ركن أرض واسعة مسوّرة مكتوب عليها: مشروع بناء جامع بمرافقه ومواقفه وخدماته، وتصل التكلفة الإجمالية للبناء والتشطيب 12 مليون ريال، والمشروع هذا ليس مناقصة حكومية حتى نشكّك في نزاهة مقاول الظاهر أو فساد مقاول الباطن أو أمانة الجهة المشرفة على تنفيذه، بل مشروع يُقيْمه ويشرف عليه «فاعل خير» كما هو مكتوب في اللافتة المزركشة.

لا شك أننا كمجتمعات إنسانية مسلمة أو مسالمة تتوق للعمل الخيري والتطوع الاجتماعي، ولكن الثقافة «القبورية» التي اختزلت العمل الإنساني -بدافع أيديولوجي- في بناء المساجد ومغاسل الموتى هي ثقافة قاصرة وبائسة في نفس الوقت.

ولكم أن تتخيلوا هذه الملايين المهدرة في بناء المساجد المزخرفة -التي لا يصلي فيها صفان مكتملان- كم ستنشأ وحدة سكنية تلم شتات أسر تعيش في بيوت متهالكة، أو «صنادق» و«عشش» متناثرة أو في هجر البلاد المتناثرة مثلًا؟

إن مثل هذه الملايين التي تعمّر مثل هذه المباني الفاخرة كفيلة بشراء عشرات الأجهزة الطبية التي يحتاجها المرضى والتي لا تتوفر بشكل كامل في مستشفياتنا كجهاز غسيل الكلى مثلا، أو تسديد ديون معسرين في سجون الحياة لتخرجهم إلى أسرهم وتجمعهم بأطفالهم، أو كفالة أيتام ومحتاجين توفر لهم حياة كريمة تمنعهم من الانحراف أو الموت البطيء.

وحتى لا يُساء الفهم من كتيبة حراس النوايا ومليشيا أرباب الوصايا، نحن مع تقنين المشروعات الخيرية وتنوعها لتؤتي أُكُلها، فلا أعتقد أننا نحتاج إلى أربعة جوامع ضخمة فخمة متداخلة الأصوات في الكيلومتر المربع الواحد، بينما تعيش بعض بيوت الحي على فتات الصدقات الشخصية، والزكاة السنوية.

على حد حلمي..

أن مشروعات جمع التبرعات لبناء المساجد والتي تستغل عاطفة الناس الدينية، لا تعود بأي نفع مادي أو معنوي إلا للمؤذن والإمام ذي السبع وظائف، والعاملين عليها، و«المؤلفة جيوبهم» فضلًا على السكن المجاني والرواتب الحكومية، بينما الثمار والنتائج المادية والمعنوية للمشروعات الصحية والاجتماعية الأخرى أشمل اجتماعيًا وأنفع إنسانيًا.

يقول المفكر الإيراني علي شريعتي: المسجد في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت له ثلاثة أبعاد: بُعد ديني «معبد»، وبعد تربوي «مدرسة» وبعد سياسي «برلمان» وكان كل مواطن عضوًا فيه، والآن أصبح المسجد قصرًا فخمًا ولكن دون أبعاد. انتهى كلامه -رحمه الله- باب ما جاء في إهدار الموارد في بناء المعابد.

خالد قماش

شاعر وإعلامي، بدأ النشر فى عدة مطبوعات محلية وخليجية منذ عام ١٩٨٩م، كمشرف صفحات وكاتب رأي ومحرر ثقافي فى عدة صحف محلية. أشرف وشارك فى عدة مهرجانات ثقافية، أبرزها: سوق عكاظ بالطائف، بيت الفنون بالأردن، جمعية الأدباء بعُمان، مهرجان الإبداع والفنون بالمغرب، مهرجان حوض البحر المتوسط فى إيطاليا، مهرجان الشعر بالبحرين. أحيا وشارك فى العديد من الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية داخليًا وخارجيًا. صدر له «من دفتر الغيم» مجموعة شعرية، «غوايات تتسلق جدران القلب» مجموعة سردية. كُرم فى عدة ملتقيات داخلية وخارجية، وساهم فى تأسيس عدة مقاهٍ ومنتديات ثقافية.

‫6 تعليقات

  1. مقال رائع جداً تمنيت انه ركز على الجانب التفاؤلي فيه .. دون تقليل من جهود بناء المساجد .. اتوقع ان هذا المقال سيفتح آفاق لتنوع العمل الخيري

    1. كلام جميل ابا انهار…ولكن لو فكيتنا من الامثله الايرانيه كان افضل.

  2. هلا بك أبو نواف..
    شريعتي كان مناضلا ضد القمع والاستبداد واستغلال السلطة الدينية.. ولك أن تقرأ مقولاته وكتبه لتعرف كم كان ملهما للإنسانية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق