برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
دوّار الشمس

الإخلاص عنوان المرحلة

في وقت ما، كل ساعة مرض تتألّم فيها الأم، يقابلها يوم كامل من التعب والحيرة وقلة الحيلة.

وليس أسوأ من العجز تقابل به وجع أحدهم، فكيف بأمك -لا قدر الله- يومي الذي ارتسمت فيه معظم علامات هذه الأيام القاسية: الدراسة عن بعد، الوقوف على حواجز الأمن، الطوارئ، مشهد سيارات الإسعاف، تصريح الخروج في ساعات حظر التجوّل، كل هذا لم يهوّنه سوى منظر الطاقم الطبي في مستشفى القطيف المركزي، ممرّضات وأطبّاء وكلُّ العاملين، هناك خليّة نحل تُبلسم الجراح بحلم ولطف وصبر مشهود.

الربو المزمن الذي تُعاني منه أمي، جعلنا نمرّ بتجارب عديدة، الخروج ليلا، قطع الحواجز بين مدينتين، تجارب علاج مختلفة، زادتها الظروف الحالية تعقيدا، مثل جميع من يعاني من الأمراض المزمنة، خاصّة كبار السن.

في الوقت الذي نتمنى فيه الخروج من البيت، ما زال هناك من يشتاق إلى بيته، جنودٌ خفية وكوادر إدارية طبية وأمنية وإعلامية وغيرها، لا نقرأ أسماءها ولا نعرفها، لكننا ننتفع من نتيجة جهودها لاستمرار الحياة بأقل خسائر ممكنة.

بدا لي ذلك حين عبرتُ من القطيف إلى الدمام في منتصف الليل، الطريق الذي اعتدتُ عبوره من قبل بكثافة حركته المرورية، ونشاط الحياة على جانبيه، بدا كمشهد من فيلم رعب حقيقي.

كانت مواجهة مع الواقع، تختلف عن كل ما نسمعه من أخبار، وما نشهده من تعقيدات، أن تضيع في المدينة التي كنت تجوبها كل يوم، أن تختلف ملامحها لديك، أنت الذي تحفظ حتى حفرها ومطبّاتها عن ظهر قلب، أن تجد نبض حياتها اليومي الذي طالما كنت جزءا منه منطفئا، ما جعلني في مواجهة مباشرة بين وجعين، وجع أمي ووجع وطني.

هكذا إذن تسير الأمور في الليل، لكي تستمر حياتنا في النهار، حركةٌ دقيقة متكاملة بين جهات عدة، ترصدها النقاط الأمنية المتأهّبة المتعاونة، المُتفهّمة لحساسيّة الجميع في هذهِ الأوقات الحرجة، إلى عمّال نظافة، ناقلي مواد تموينيّة، محطّات بنزين، وكل من يعمل بإخلاص من صيّادين ومزارعين وبسطاء، هم عظماء المرحلة البارّين بالوطن كأمّهاتهم.

رباب إسماعيل

رباب إسماعيل، ماجستير علم اجتماع المعرفة والثقافة، كاتبة وشاعرة سعودية، أكاديميّة مهتمّة بالشؤون البحثيّة والثقافيّة والتربويّة، أجرت تحقيقات صحفية متنوعة، كاتبة مقالات، نشرت في عدد من الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة، لها مشاركات ثقافية وإعلاميّة متنوعة داخل السعودية وخارجها، صدر لها ديوان رسائل دوّار الشمس عن دار الفارابي.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق