اَراء سعودية
شرفة

الحرية والحجر

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عشت تجربة الحجر الصحي لأيام قلائل، كنت أظنها يسيرة وسهلة، فالسكن بفندق خمس نجوم، متوفرة به كل وسائل الراحة والخدمة، ومع مرور الأيام بدأت عقارب الساعة تتثاقل وتسير ببطء ملحوظ، وبدأت أستوعب أنني لا أستطيع الخروج من باب الغرفة إلا بترتيب مع إدارة المحجر ولأسباب مقنعة، فاستخدام المسبح أو صالة الرياضة ضرب من الخيال، والنزول والجلوس في البهو الجميل حلم صعب المنال، زرناه مرتين فقط عند أخذ عينات الفحص، مسحة الأنف.

بدأت أفكر جديا في معنى الحرية، وجال بخاطري من يقبعون في الزنزانات الانفرادية، والسجون محكمة الإغلاق، وسجون التعذيب، والمشاهد المخيفة التي عاشها بعض المساجين وشعورهم عند سماع خطوات السجان وهي تقترب من باب الزنزانة، فأي رعب وأي مصير ينتظر المسجون الذي لا يعرف ما الوقت من النهار، فضلا عن معرفة اليوم أو التاريخ، ولا يرى شمسا ولا سماء ولا حتى هواء، ويحلم بلقمة طعام نظيفة أو شربة ماء نقية، ولا يعلم ما حال أحبته خلفه، ولا ما المصير أمامه.

في الحجر، الحرية مختلفة تماما، والسجان وديع وودود ويجلب معه الخير ويبث الأمل، ويحرص على أمن وسلامة المحجورين، فأنا حر طليق على الرغم من قيود الحجر والحركة، فها أنا أكتب وأرسل واستقبل الاتصالات، وتقع غرفتي في الدور السابع بنافذة زجاجية كبيرة تطل على ساحة علم التوحيد أمام مبنى إمارة القصيم ببريدة، وأملك بحرية وخصوصية تامة نوافذ افتراضية ذكية متعددة مفتوحة على العالم، والعالم كله بين يدي، صوت مباشر وصورة حية، فأي حجر هذا.

أما الطعام والشراب، فالكرم بلغ منتهاه، وهنا ما لذ وطاب، يأتيك لباب غرفتك بضغطة زر واحدة، وكلها مجانية على حساب الدولة، فأي مصادرة للحرية كما يراها بعض المتذمرين.

أعتقد أن هذا الحجر صحي ليس للبدن فقط، بل للفكر والروح والعقل، لأنه أتاح الفرصة للتأمل والتدبر، فالأشياء تعرف بأضدادها، شتان بين الحجر خوفا علينا، والحجر خوفا منا.

الله أكبر، كم جبنا الأرض والسماء في رحلات مكوكية وفي حرية مطلقة ولعقود خلت لا يعيقها شيء، ولم نفكر قط ولو للحظة أن حريتنا تلك سيعلقها -بأمر الله- فايروس صغير إلى أجل غير معلوم لأحد.

لقد عشت محجورا تجربة نوعية، وقدرت فضل الله والنعم التي نتقلب فيها، واستشعرت قيمة الوطن الذي ضمني عند عودتي بشوقه وبدفئه المعهود، ولمست مرة أخرى حجم رعاية الدولة لشؤون المواطنين، وحرص قيادتنا الرشيدة على بذل كل ما في وسعها لصحة ورفاه وسلامة وأمن المواطن، ولمست معنى التلاحم الشعبي ومتانة النسيج الوطني الذي نعيشه، فكنت في القصيم في بيتي وحسب.

بمداد الفخر أشكر الله الذي مَنَّ علينا بالصحة والعافية، ثم الشكر لخادم الحرمين الشريفين ولولي عهده، وللسفير في النمسا، ولأجهزة الدولة ومؤسساتها، على الرعاية اللا متناهية، التي عشناها منذ كنا في فيينا وحتى غادرنا الحجر الصحي ببريدة، وشكر خاص لأبطال الصحة وتاج الفخر، ولرجال الأمن والدفاع المرابطين على الحدود والحامين للثغور.

أحمد آل مفرح

من مواليد أبها، عضو سابق في مجلس الشورى السعودي لثلاث دورات متتالية، حاصل على بكالوريوس الأدب الإنجليزي من جامعة ميري ماونت بفيرجينا الأمريكية ١٩٩٣م، والماجستير في تنمية المواد البشرية والإدارة من جامعة جورج واشنطن علم ١٩٩٤م، والدكتوراه في الإدارة التعليمية من الجامعة الأمريكية بواشنطن دي سي عام ١٩٩٧م. عمل عميدًا للبرامج التدريبية وخدمة المجتمع بكليات المعلمين، ثم مديرًا عامًا للإشراف التربوي بوزارة التعليم، رأس اللجنة التعليمية بالمجلس، وانتخب رئيسًا لمنتدى البرلمانيين العرب للتربية. عمل في الشأن الرياضي والشبابي، حيث عين نائبًا ثم رئيسًا للاتحاد السعودي للجودو والتايكوندو، وانتخب عضوًا باللجنة الأولمبية السعودية، وعضوًا في الاتحاد الآسيوي للتايكوندو، ويحمل الشارة الخشبية الكشفية. له إسهامات ثقافية، حيث نشر كتابه الأول «لم الوجل؟» من إصدارات نادي أبها الأدبي، وكتب ويكتب في العديد من الصحف المحلية الورقية والإلكترونية، وله مشاركات في العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية. يعمل حاليًا مستشارًا في هيئة حقوق الإنسان، وهو عضو مؤسس ونائب لرئيس جمعية الطيارين السعودية، وساهم في الكثير من البرامج التطوعية واللجان التخصصية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق