اَراء سعودية
بصمة

الانتصار العظيم

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

كتبت يوم الثلاثاء الماضي عن غزوة بدر الكبرى كإحدى المعارك المؤثرة في التاريخ، وجميع غزوات الرسول -عليه أفضل الصلاة والتسليم- لها دور كبير في التحول والتأثير في التاريخ.

في منتصف القرن الخامس الهجري حدثت معركة فاصلة ومهمة بين المسلمين والروم كان بطلها السلطان ألب أرسلان السلجوقي، فهو صاحب الانتصار الخالد على الروم وكسر هيبتهم وغطرستهم وشوكتهم، الذي تولى الحكم سنة 455هـ، وكان وزيره ذائع الصيت «نظام الملك» له دور كبير في إدارة حكمه ومعاركه، وكانت معركة ملاذكرد التاريخية -أو ملازغرد حاليا- وقعت في شهر ذي القعدة من سنة 463هـ أغسطس 1071م، وكان سببها هجوم الإمبراطور البيزنطي رومانوس ديوجينس على مدينة منبج التابعة للسلاجقة، حيث يبعد أنظار السلاجقة عن أراضيه، إلا أن ذلك لم يكن كافيا في نظر الإمبراطور، فجهز جيشا قوامه مائتا ألف مقاتل وتوجه بهم من عاصمته القسطنطينية إلى ملاذكرد، حيث يعسكر الجيش السلجوقي الذي لا يتعدى العشرين ألف مقاتل.

فأصبح السلطان في حرج كبير أمام هذه الأعداد الضخمة، إلا أنه قرر مواجهتهم رغم قلة جيشه، فاستخدم السلطان سلاح التحفيز والترغيب في نفوس جنوده، فأشعل في نفوسهم روح الجهاد وحب الاستشهاد، وحثهم على الصبر والثبات، وخيَّرهم بمن يريد أن يحارب معه ومن يريد المغادرة، وكان إمامه وفقيهه أبو النصر محمد بن عبدالملك البخاري يقوي عزم السلطان ويشد من أزره ويذكره أنه يقاتل عن دين وعد الله بنصره، وطلب منه أن يكون يوم المعركة هو يوم الجمعة لأن الخطباء يكونون في تلك الساعة فوق منابرهم يدعون بالنصر للمسلمين، والدعاء مقرون بالإجابة.

وبالفعل عندما بدأت المعركة انقض المسلمون على الروم وهزموهم في ساعة واحدة وتشرد جيشهم وأُسر إمبراطورهم، ونجح السلطان ألب أرسلان في الانتصار على الإمبراطور رغم كثافة جيشه وعدته وعتاده، وافتدى الإمبراطور نفسه بأموال عظيمة، واشترط عليه السلطان ألب أرسلان أن يطلق كل أسير مسلم في أرض الروم، ووقَّع معه معاهدة صلح المنتصر أملى فيها كل شروطه التي يريدها، وكانت مدتها خمسين سنة.

من نتائج هذه المعركة الخالدة أن الإمبراطور عندما عاد، تم خلعه وإزالة اسمه من سجلات الملك، وسجنه، وعينوا بدلا منه ميخائيل السابع، ومن النتائج أيضا أن هذا الانتصار حرك الغرب الأوروبي لتكوين جيش قوي يغزون به السلاجقة وبلاد المسلمين، ومن هنا بدأت الحملات الصليبية على بلاد المسلمين.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق