انطباعات

أمي جنة

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

حين أخبرت والدتي بأنه استلزم عليّ العودة للعمل، بعد غياب طويل بسبب الحجر الصحي الذي كان ضمن الإجراءات الاحترازية التي أقرتها الحكومة على محافظة القطيف، آنستُ نبرة حزن وخوف، حاولت والدتي سترها بجملة «لماذا أنتِ؟ هناك الكثير من الكوادر الطبية، ابقي بجانب أطفالك»

وكأن والدتي تناست أن أصغر طفلة لدي أكملت ربيعها السابع عشر، ولكن يبدو أنني مَنْ غفلت عن أننا نبقى أطفالا في عيون وقلوب آبائنا، حاولت تهدئتها وإخبارها أنها القدوة لي في الحياة حين يتعلق الأمر بمساعدة الآخرين والإحسان والانضباط، وأن إنسانيتي -قبل واجبي- تحتم عليّ الوجود في الصفوف الأولى في هذه الجائحة.

قد أكون غفلت عن حقيقة أنني لست الابنة الوحيدة لدى والدتي، هناك ثلاث أخريات من أخوتي يعملن ككوادر طبية أيضا، ياااه كم قلب لوالدتي كي تحتمل كل هذا القلق، جميعنا نعمل في الصفوف الأولى ويجب علينا مواجهة هذه الجائحة بكل بسالة وشجاعة.

عودة لقلب والدتي هذه السيدة الرؤوم العظيمة التي أورثتني جينيا هذه الصفة التي أقارع بها يوميا في عملي مع مرضاي.

عودة لصوت والدتي الذي يأتي على هيئة ابتهالات وصلوات كل يوم ترسله على هاتفي وهواتف أخوتي، هذا الصوت يمدني بالقوة والهمة والصلابة ويجعلني أحافظ على تلك القوة التي تراهن عليها والدتي «إنني القوية التي توردت الحياة إثر ابتسامتها» نعم بها أتزن فهي مركز ثقل الحياة.

وعلى سبيل اللطف تسأل والدتي إن كنت انتهيت من مناوبتي قبل الإفطار، وتدعوني لتناول وجبة الإفطار، هي لا تعلم أنني أتوق لرؤية وجهها كل يوم وأنني أود لو ألوذ تحت جناحها، فهي الظل الظليل لي ولأخوتي وأزعم أن حنانها لا ينضب.

أعترف أنني لم أكبر يوما، على كوني تلك الطفلة التي تشاكس والدتها كي تنتزع منها ابتسامة أو ضحكة، وأقر بأنني أشعر بالأمان طالما كنت بين دعواتها التي تلازمني وأخوتي وتهدهد أرواحنا مهما بلغنا من الكبر عتيا.

يقول الشاعر جاسم الصحيح:

ويا نافورةَ الدَّعَوَاتِ.. أُمِّي..

‏وأَصْدَقَ مَنْ يُناديني: حبيبي!

‏إذا أَكْمَلْتُ منكِ رِضاكِ عنِّي

‏فقد أَكْمَلْتُ في الدنيا نصيبي.

رائدة السبع

رائدة السبع ،بكالوريوس تمريض ،كاتبة

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى