برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
ناصية

موظفون مِن منازِلِهِم

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

أذكرُ في إحدى المحطاتِ العمليةِ التي مررتُ بها أن مديرا كان يجبرُ موظفيه الفنيين الميدانيين على المكوثِ على مكاتِبِهم وأمام ناظريه بدعوى «الضبطِ والربطِ في العملِ» على الرغمِ من أنّ طبيعةَ عملِهِم تتطلبُ وجودَهم مع المستفيدينَ، ما أدّى إلى نفورِ عددٍ كبيرٍ منهم من تلك الإدارةِ وانتقالِ بعضِهم إلى أوساطٍ أخرى أكثرَ رحابةً واحترافيةً وتقديرا لقيمةِ الإنجاز.

واليومَ ها نحن نرى –في ظل هذهِ الجائحةِ- كثيرا من الموظفين في القطاعين الخاص والعام ينجزون أعمالَهم من بيوتِهِم وبدقةٍ وتوقيتٍ مُميزَين دونَ الحاجةِ إلى توقيعِ حضورٍ وانصراف، بل ويحضرون اجتماعاتٍ افتراضيةً «عن بُعد» في أوقاتٍ محددةٍ وبفاعليةٍ واضحةٍ ومؤديةٍ.

أعلمُ أنّ هذا الأمرَ لا يسري على كلِ الوظائفِ والمهماتِ، فليس لطبيبٍ مهما كان تواصُلُه التقنيُ أن يفحصَ مريضا دون حضورٍ ومعاينةٍ مباشرةٍ، ولا لرجلِ أمنٍ أن يباشرَ مهامَّه الميدانيةَ الإجرائيةَ عن بُعد كذلك، غير أنّ بعضَ الوظائف –وبناءً على توصيفاتِها المهنيةِ- قد تنضوي تحت مظلةِ العملِ دون الإلزامِ بالحضورِ الشخصيِ والتوقيعِ، معتمدةً على «العملِ بالإنجازِ» في وقت محددٍ وبمعاييرِ أداءٍ مرسومةٍ، إذ لا حاجةَ إلى مزيد من تراكمِ الأعدادِ في غرفٍ ضيقةٍ وعلى مكاتبَ متزاحمةٍ وبعطاءٍ أقل. لقد استطاعت تداعياتُ كورونا أن تفتحَ آفاقا جديدةَ في تعاملِنا مع ما حولنا، ومن ذلك التزامُ العاملين من منازلهم بما يوكَلُ إليهم من مهام، خاصةً مع شيوعِ التطبيقاتِ التقنيةِ التي اتخذتها كثيرٌ من الدوائرِ الحكوميةِ ومؤسساتِ القطاعِ الخاصِ سبيلا لتقديم خدماتها وفقَ منظومةٍ خاضعةٍ للمراقبةٍ وضبطِ الأداء.

والسؤال هنا: هل يمكنُ أن تتسعَ مساحةُ التركيزِ في بعضِ الوظائفِ على الإنجازِ دونَ الحاجةِ إلى دفاترِ التوقيعِ وأجهزةِ البصمةِ؟ الأمرُ الذي يحدُّ من نمطيةِ الأداءِ وتساهلِ الموظفِ، بل ويمنعُ الحججَ الواهيةَ المتمثلةَ في الانشغالِ بالإفطارِ الجماعيِ أو دخولِ وقتِ الصلاةِ، أو جلبِ الأولادِ من المدارسِ وغيرها كثيرٌ مما تنتجه التراتبيةُ التقليديةُ الموروثةُ.

وإلى المغرمينَ بضرورةِ التوقيعِ نقول: إن دخولَ الموظفِ على البرنامجِ أو موقعِ الإدارةِ التقنيِ يُعدّ توقيعا وممارسةً حضوريةً يمكن مراقبتُها لحظةً بلحظة، بل يمكن كذلك ربطُ مسيرةِ العملِ بالوقتِ المحددِ، ثم محاسبةُ المتقاعسِ وفقَ الأنظمةِ المعلنةِ.

يحيى العلكمي

يحيى بن محمد العلكمي، متخصص في اللغة العربية وآدابها من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، عمل رئيسًا لتحرير مجلة بيادر الصادرة عن نادي أبها الأدبي ، ورئيسًا لقسم اللغة العربية و لجنة التدريب والتطوير في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة عسير. مدرب معتمد من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، عضو منتدى السرد بنادي أبها الأدبي. و عضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، عمل في الصحافة، وكتب المقال في عدد من وسائل الاعلام المحلية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق