ستــة ياردة

خوف «هاندكه» ووقفة «مروان» لعشاء «دافينشي» الأخير

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

عندما كتب النمساوي بيتر هاندكه رواية «خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء» لم يكن يعرف سالم مروان كما يجب، ناهيكم عن فكرة أنه لم يخض هذه اللعبة الشرسة المتعقلة، اللعبة التي تسيطر بها على العالم بذهنك قبل عضلة ساقك، وقد تفقد بها رباط ركبتك الصليبي لقاء حفاظك على ماء ذهنك ووجه فريقك.

وعندما رسم ليوناردو دافنشي لوحة «العشاء الأخير» لم يكن مروان -أبو سالم مروان- قد بلغ سن الحلم بعد، كي تراوده رغبة الارتباط والزواج، كفكرة مجردة، على أقل تقدير.

وعندما قرأ الغالبية رواية النمساوي هاندكه، اعتقدوا -خوفا وطمعا- أنها رواية تتحدث عن كرة القدم، تماما كما سيعتقد صديقي فهيد العديم أن حارسا بكاريزما سالم مروان قد تخيفه ضربة جزاء في الهزيع الأخير من الفن.

عشاء دافنشي الأخير لا يختلف، في تراكيبه وتراتبياته، بل وتفاصيله، عن وقوف سالم مروان -بشكل جانبي غير مسبوق- لا يواجه، المهاجم، منفذ ضربة الجزاء ولا يغفل عنه، ذلك الوقوف الذي  يبدو منحرفا ومستقيما أكثر مما قد تخطه ريشة فنان إيطالي، كدفينشي، أو صانع أحرف نمساوي، كبيتر هاندكه، وبما أن ما يكتبه «هاندكه» على لسان مخاوف حارس مرماه بعيدا كل البعد عن كرة القدم، فربما كان بطل روايته مجرد حارس بنك، أو عمارة تحت الإنشاء، أو «سيكورتي» يقف أمام مجمع تجاري ويخاف من طائر الحمام على نافذة الشقة المجاورة والتابعة للألماني باتريك زوسكيند، أو عامل آسيوي باستراحة صديقنا «أبو تركي»

غير أن أي منهم، بما فيهم أنا وأبو تركي وحبيبنا أبو فهد، وبيتر هاندكه، بل وحتى عامل الجبس، الذي عدل سقف بيتي قبل أزمة كورونا، لم نعرف كيف نقف كسالم مروان، بتلك الرهبة التي تغير معادلة زاوية المرمى هندسيا في ذهن المهاجم، وأعني أي مهاجم، لم نعرف ماهية تلك الوقفة الجانبية التي تشي بالتجاهل لخسة نوايا العدو والمواجهة الصارمة في الوقت ذاته، وتدعك طريحا لتساؤلات شجاعة المواجهة من عدمها.

ذلك الوقوف الذي يقنعك أن حارس مرمى، بل حارس تاريخ وطن كسالم مروان لا يمكن أن تخيفه ضربة جزاء يكتبها النمساوي هندكه، أو يرسم لوحة عشاء آخر ليلة تصدى سالم مروان لمخاوفها أمام ليوناردو دافنشي، رغم عدم المجايلة.

سعيد الأحمد

صاحب رواية "رباط صليبي"، و "عسس"، كما له عدد من النصوص في كتب مشتركة مع كتاب آخرين، نشر العديد من المقالات النقدية في الصحافة المحلية والعربية، عمل كمحرر ثقافي وترأس جماعة السرد في نادي الرياض الأدبي، لديه العديد من الكتب قيد النشر، كما أنه لاعب كرة سابق ومهتم ومحلل رياضي له العديد من المشاركات الصحفية والتلفزيونية في مجال الرياضة.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى