اَراء سعودية
أجراس

كيف أحاكمُ أحضاني؟

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

تنتابني لحظةٌ حارقةٌ، كمشرطٍ حادٍ يحزُ مجساتِ العاطفة، عندما أفكرُ في تحجيمِ مساحةِ الحُبِ والاكتفاءِ بلعبةِ الملاطفةِ من بعيدٍ، كيف يمكنُ السيطرةُ على انفعالِ قبضةِ الذراعين؟ كان تحديا كبيرا وما زال، نجحتُ في فصلٍ منه، ولا أدري عن الفصلِ المتبقي، هل تصمدُ العاطفةُ أمامَ احتياطي الوباء أم تنفرطُ المسبحةُ مندفعةً تنغمسُ في حضنها؟

فكرتُ في زيارةِ أمي بعد تجاوزِ أكثر من شهرين من الحجرِ الصحي، كانت التوصيةُ بالجلوسِ عن بعد، بلا مصافحةٍ ولا عناقٍ ولا حتى قُبلةِ الرأس، حاولتُ إقناعَ نفسي بأن العقلانيةَ لابد أن تنتصرَ على العاطفةِ في هذا الظرفِ الحرجِ، وهذا تنظيرنُا الافتراضيُ، إنما ماذا سيحدثُ في الواقع؟ بقلبٍ يدّعي الجسارةَ وروحٍ تتعكزُ بالصبر حافظتُ على المسافةِ بمقدارِ 160 كلم في الساعة لمدة شهرين، فهل يكونُ اللقاءُ بعدها بهذا الجمود؟ الدماءُ التي تغلي في أوردتي لن تصمدَ أمامَ وجهِ أمي وستنفجرُ لا محالة.

كيف تجرّأَ الحدثُ أن يمنعَنا من أحضانِ أمهاتنا وهي الوعاءُ الأولُ والملاذُ الأخيرُ؟ تعقلتُ كثيرا، وكابرتُ ألفَ مرةٍ! وادّعيتُ أن البقاءَ بعيدٌ مُحتملٌ ولو طال، أملا في حماية الأمهات من هذا الكائنِ الحاقدِ على الإنسانيةِ، ونجحنا في الفصلِ الأولِ من الحكاية، إنما كيف سيستمرُ الابتعادُ والحمايةُ؟

مع عودةِ الحياةِ لحركتِها الطبيعيةِ، أصبحت من الصعبِ السيطرةُ على حدودِ الابتعادِ بين الأهالي -على أدنى مستوى- فإذا استطاعَ الأخوةُ السيطرةَ على التجمعات، واكتفوا بزياراتٍ فرديةٍ للوالدين، ذلك يعني أن الوالدين سيتلقيان أكثرَ نسبةِ احتكاكٍ ولقاءٍ.

معادلةٌ صعبةٌ، بل ومقلوبةٌ، أن تصيرَ أحضانُ الأمهاتِ المُستقرةُ في البيوتِ، أكثرَ عُرضةٍ للقاءِ والملامسةِ، وكأن الأمهات والآباء يثبتون تصديَهم ومشاركتَهم أبناءهم المصير.

لم يتبقَ ما نقوله في هذا الشأن، لقد انتعشت الحياةُ في شوارعِ المدينة واستسلم الناسُ لواقعِ عودةِ الحياةِ العمليةِ، وعليه انخفضَ معدلُ العزلِ والابتعادِ، وبقي أملُ الحمايةِ من العدوى موقوفا على القضاءِ وعنايةِ الله.

شهر مايو يوشكُ على الانتهاءِ وهلالُ عيدِ رمضانِ يقتربُ، وما زلنا في حيرةِ اللقاء وتناقضات التواصل والتباعد! كيف نضبطُ المسافاتِ مع القريبِ لتكون أقصرَ من البعيد؟ وكيف سنحاكمُ أحضانَنَا؟.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق