برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
بصمة

القوة والانكسار

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

من الوقائع التي سطرت بماء من ذهب وحُفظت في سجلات التاريخ الإسلامي والعالمي، هي موقعة حطين، التي حدثت بين المسلمين بقيادة السلطان صلاح الدين الأيوبي وبين الصليبيين، بقيادة ملك بيت المقدس غي دي لوزينيان.

السلطان صلاح الدين الأيوبي أسس دولته على أنقاض دولة سيده نور الدين زنكي الذي سيطر على الشام والموصل ومصر، وقد اكتسب صلاح الدين من فكر سيده في الجهاد ضد الصليبيين ومحاولة طردهم من بلاد الشام، فبعد وفاة نور الدين زنكي سنة 569هـ بدأ صلاح الدين يفكر في ضم الشام والموصل والجزيرة لكي يكون قويا لمواجهة الصليبيين، فكان له ذلك، فلم تأت سنة 579هـ إلا وقد تحقق مشروعه بالاكتمال، وكان قد هادن الصليبيين حتى لا يفتح على نفسه جبهة معادية.

بدأت قصة المواجهة عندما أخل حاكم الكرك «أرناط» ببنود الهدنة بينه وبين صلاح الدين، وذلك بالهجوم على قافلة إسلامية متجهة من مصر إلى الشام واستولى على ما فيها من مال وزج برجالها في السجن، حاول صلاح الدين عن طريق ملك بيت المقدس إطلاق سراح المساجين وإرجاع ما نهبه من القافلة، إلا أنه لم يستجب، فأعلن النفير والجهاد وطلب من الجيوش الإسلامية التوجه إلى حطين بين الناصرة وطبرية.

وقد اختار صلاح الدين توقيتا سيئا للصليبين، حيث اختار شهر أغسطس للمواجهة، فتجمعت الجيوش الإسلامية وسبقت الصليبيين إلى موارد الماء، وأحرقوا بعض الأشجار والحشائش لتزيد من وطأة الحر عليهم، فوقعت المعركة يوم السبت 25 ربيع الثاني 583هـ، الموافق 4 يوليو 1187م، وتمكن المسلمون من إبادة معظم الجيش الصليبي، وأسر ملك بيت المقدس و«أرناط» ومعظم الأمراء والقادة الصليبيين.

وكان صلاح الدين يراقب المعركة بذهابه إلى تل مرتفع وينحدر منه، وكان ابنه «علي» بجانبه ويسأله عن أوضاع المعركة، وكان صغيرا، فكان لا يرد عليه، حتى شاهد خيمة ملك الصليبيين تسقط وتتهاوى فسجد لله شكرا بهذا الانتصار، فاقتيد الملوك والأمراء الصليبيون في حضرة صلاح الدين، فأكرمهم وأعطاهم الماء المثلج دليلا على الأمان لهم، فلما وصل الماء إلى «أرناط» ضربه صلاح الدين بسيفه، وقال: أنا مقسم بالله إن قبضت عليه لأقتله، فضربه بسيفه وأكمل عليه الفرسان وقضوا عليه.

وافتدى ملك بيت المقدس نفسه بأموال عظيمة ومثله الأمراء والفرسان، وقد أمر صلاح الدين بإحضار قادة الاسبتارية والداوية وهم من أقوى الأجنحة العسكرية لدى الصليبين، وخيَّرهم بين الإسلام أو القتل، فُقتل معظمهم أمامه وهو جالس بمجلسه.

من نتائج هذه المعركة أن الممالك والإمارات الصليبية تهاوت في أقل من ستة أشهر، فتمكن صلاح الدين من إعادتها عدا مدينة صور، فظل الصليبيون في الشام مئة سنة أخرى حتى تمكن السلطان المملوكي قلاوون وابنه الأشرف من طردهم من بلاد الشام نهائيا سنة 692هـ، وبهذا الانتصار أصبح للمسلمين قوة وللصليبيين انكسار للأبد.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق