برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
اَراء سعودية
فضاءات

نظريةُ المؤامرةِ.. ثقافةٌ وطريقةُ حياةٍ

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

الإنسانُ بطبيعته كائنٌ متوجسٌ، بالغُ الحذرِ، كثيرُ الخوفِ، يخافُ من كلِ الأشياء التي يجهلُها، يخافُ من المستقبلِ ومن المرضِ ومن الموتِ، ومن الآخرِ الذي قد يجلبُ له كل هذه الأشياء معا.

ولأن الإنسانَ وجد نفسَه منذ بداياته الأولى على الأرض بعيشُ في بيئةٍ غامضةٍ وعدائيةٍ فإنه تبنى فكرةَ المؤامرة من قبلِ هذه البيئةِ وقدمها على غيرها حتى يحميَ نفسه، وهذه الحمايةُ تتطلبُ منه أن يفكرَ بالأسوأِ ويتوقعَ الأسوأِ.

تطورَ هذا الشعورُ عبر الزمن، وبعد أن سيطرَ الإنسانُ على بيئته المحيطة فإنه وَجَّهَ صراعَه وخوفَه من هذه البيئةِ إلى شقيقِه الإنسان، فالآخرُ أصبحَ هو مصدر الخطرِ والتآمرِ وبالتالي هو من يحيكُ الخططَ بشكلٍ فرديٍ أو جماعيٍ من أجل الإيقاع بالإنسان الحالي.

وهذا الشعورُ هو حقيقةٌ واقعةٌ ولكنه قد يتحولُ في بعضِ جوانبه إلى نوعٍ من الوسواسِ من جهةٍ، وشماعةٍ لتعليقِ كل الأخطاءِ والانكسارات والفشلِ عليها من جهةٍ أخرى.

فعلى المستوى الجمعي تحولَ الشعورُ بالتآمرِ من قبل الآخر إلى شعورٍ أصيلٍ تتميزُ فيه المجتمعاتُ المغلقةُ والمهزومةُ من الداخلِ، والتي تتمحورُ حول ذاتها خالقةً عشرات المبررات الوهمية التي تمنحها الشعورَ الكاذبَ بالعظمةِ التي يغارُ منها الآخرُ فتدفعُه للتآمرِ عليها ومحاولةِ هدمها.

أما على الجانبِ الفرديِ فإن هذا الشعورَ أصبحَ محورَ حياةِ بعض الأشخاصِ الذين ترتكز حياتُهم على القلقِ والتوجسِ وعدمِ الثقةِ بالآخر، بالشكل الذي حولوا معه هذا الآخر المتخيل إلى مجموعةٍ من الأعمالِ السريةِ التي تديرُها منظماتٌ وتقفُ خلفَها مؤسساتٌ ومنظماتٌ ودولٌ… إلخ.

نوعٌ من الهوسِ الذي يدغدغٌ رغبتَهم بالخوفِ والقلقِ ويمنحهم شعورا خفيا بالذكاء والقدرة العالية التي تجعلهم يدركون ما لا يدركُه العامةُ ويفكون شفراتٍ صعبةَ الالتقاط.

كلُ هذه الدوافعِ العامةِ والخاصةِ اجتمعت مع بعضِها لتجعلَ من نظريةِ المؤامرةِ عالما آخر موازيا، واقعا يعيشُ العديدُ من الناسِ في عوالمه ويرتزقُ البعضُ من معيشتهم هذه فيه، هو عالمٌ مدهشٌ تلتقي فيه الأسطورةُ بالحقيقةِ، والخيالُ بالواقعِ بشكل يصعبُ الفصلُ بينهما في ظله.

تركي رويّع

تركي رويع الرويلي، مواليد منطقة الجوف ، بكالوريوس هندسة ميكانيكية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يعمل في الشركة السعودية للكهرباء مستشاراً للسلامة والصحة المهنية ، كاتب رأي سابق في صحيفة الشرق السعودية، وله العديد من الكتابات في المواقع الإلكترونية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق