اَراء سعودية
وحي المرايا

أنفي ويدي يباعدان جسدي

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

أخرج للسوق لقضاء حاجات المنزل وقد استمعت لنصيحة خبراء الصحة «احذر من ملامسة يدك لوجهك» واعرف أن المقصود بالوجه هو الفم والأنف، ولأن الفم ذو بوابة يمكن التحكم بها، إلا أن الأنف مشرع بوابتيه دوما.

ثم بعد ما قرأت لاحقا أن الكمامة والقفازات ربما تصبح مصيدة للفايروسات، وليس من المناسب ارتداؤهما إلا لمن هو مريض، أو يرعى مريضا آخر، وأن الاحتياط الأنسب هو ألا تلمس بيدك أنفك حتى تعقم يديك، ثم يأتي تحذير آخر من مغبة التعقيم، وأن التعقيم يقضي على البكتيريا النافعة بالجسم، لذا فإن التصرف الأسلم هذه المرة هو التباعد الجسدي، بين أنفي ويدي، حتى العودة للمنزل وتحرير يدي بالماء والصابون.

في الأيام الأولى أخرج من المنزل وقد توكلت على الله، وعقلتها بأن أرسلت تحذيرات متكررة ليدي، إياكِ من ملامسة وجهي، وكانت المهمة صعبة، فقد اقترفت يدي أخطاء كثيرة بالبداية، وكانت رجفة الخوف من أول ملامسة كفيلة بأن تجعل يدي تندم وتتوب بأن شيئا لا يحمد عاقبته ربما تسلل إلى جيوبي الأنفية، تعلمت يدي شيئا فشيئا من الأخطاء، ومن التأنيب المتلاحق بأنها لم تعد تمتد بحاجة، أو بدون حاجة، سوى للأغراض التي تجمعها، وتضعها بالأكياس، لقد تروضت بشكل متقن مع المهام المحددة لها، لم يعد لديها ذاك الفضول المعهود، ولكن أُتيت هذه المرة، من ناحية أنفي، الذي كنت أحميه من يدي، فأصبح هو من يتحرش بها.

لا أدري عندما تشرع يدي في جمع الأغراض الخطيرة جدا، من عبوات لبن، وفواكه، وعصائر قبل الغسل أو التعقيم، تأتيني حكة بأنفي، فأخاطبه بلغتنا الداخلية: أرجوك، ليس الآن، أنت تعلم أني لامست أشياء ربما تسبب كارثة لنا جميعا، أرجوك اهدأ حتى نعود، لكن ليس لهذا التأنيب والتقريع فائدة، فتبدأ الحكة تشتد، وينتابني الغضب، وأقول بحنق: أقسم لو أعلم أن هذا الرف آمنا من الفايروسات لضربتك به بأشد ما أجد من قوة، لكن تمهل حتى أغسل يدي بالصابون أيها الأحنف المُحتَك.

وعندما أخرج من السوق، ثم أصل المنزل وقد آب أنفي لعقله، وعدت أنا لحلمي، وفي كل مرة تحدث هذه القصة، وهذه المجادلة، وبمجرد العودة سالمين تتلاشى الأضغان، ويعود التسامح من جديد.

هذا الحذر، والتوخي، والشك المضني لم يحدث بين أنفي ويدي، بل بيني وبين أخي وصديقي، ومن أخدمه أو يخدمني، بين مدينتي والمدينة التي تجاور مدينتي، بين دولة ودولة، ويظل أقسى نوع في التباعد هو تباعد العشاق، حيث ليس ثمة رائحة للأحضان.

غانم الحمر

غانم محمد الحمر الغامدي من مواليد منطقة الباحة، بكالوريوس هندسة كهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران ، مهندس في إحدى شركات الاتصالات الكبرى بالمملكة ، كتبت ما يزيد عن 400 مقال صحفي في صحف سعودية له اصداران مطبوعان الأول بعنوان " من وحي المرايا " والأخر " أمي التي قالت لي "

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق